ListenArabic
تفسير آية 2:29 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
تفسير آية 2:29
قوله تعالى : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" فيه عشر مسائل :
الأولى :"خلق" معناه اخترع وأوجد بعد العدم . وقد يقال في الإنسان : خلق عند إنشائه شيئاً ، ومنه قول الشاعر :
من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليله
وقد تقدم هذا المعنى . وقال ابن كيسان : "خلق لكم" أي من أجلكم . وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم . وقيل : إنه دليل على التوحيد والاعتبار .
قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه . ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء .
الثانية : استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها ـ كقوله : "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه" الآية ـ حتى يقوم الدليل على الحظر . وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثاً ، فلا بد لها من منفعة . وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستعائه بذاته ، فهي راجعة إلينا . ومنفعتنا إما في نيل لذتها ، أو في اجتنابها لنختبر بذلك أو في اعتبارنا بها . ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا بذوقها ، فلزم أن تكون مباحة . وهذا فاسد ، لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة ، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة ، بل هو الموجب . ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق ، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين . ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سمواً مهلكة ، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر . وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسناً ولا قبحاً إلا ويمكن أن يكون حسناً في نفسه ، ولا معين قبل ورود الشرع ، فتعين الوقف إلى ورد المالكية والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف . ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال ، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء ، وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره ، وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه . قال ابن عطية : وحكي ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ، ولا نازلة إلا وفيها سمع ، أو لها تعلق به ، أو لها حال تستصحب . قال : فينبغي ان يعتمد على هذا ، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف .
الثالثة : الصحيح في معنى قوله تعالى : "خلق لكم ما في الأرض" الاعتبار . يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها ، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السموات والأرض ، لا تبعد منه القدرة على الإعادة .
فإن قيل : إن معنى كم الانتفاع ، أي لتنتفعوا بجميع ذلك ، قلنا : المراد بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا . فإن قيل : وأي اعتبار في العقارب والحيات ، قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سبباً للإيمان وترك المعاصي ، وذلك أعظم الاعتبار . قال ابن العربي: وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظراً ولا إباحة ولا وقفاً ، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته .
وقال أرباب المعاني في قوله : "خلق لكم ما في الأرض جميعا" : لتتقووا به على طاعته ، لا لتصرفوه في وجوه معصيته . وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده ، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك ، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد .
الرابعة : روى زيد بن أسلم عن ابيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
"أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما عندي شيء ولكن ابتع علي فإذا جاء شيء قضينا ، فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر . فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
أنفق ولا تخش من ذي العرض إقلالا
فتبسم رسول الله صلى عليه وسلم ، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بذلك أمرت " . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله ، لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم ، وقال في تنزيله : "خلق لكم ما في الأرض جميعا" ، " سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه" . فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعاً لعذره وحجة عليه ، لكون له عبداً كما خلقه عبداً ، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه ، كما قال تعالى : "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" وقال : "فإن ربي غني كريم" ، و" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي يابن آدم أنفق أنفق عليك يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار" . و" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا" . وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضاً ، وهذا كله صحيح رواه الائمة والحمد لله . فمن استنار صدره ، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال ، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته ، وانقطعت مشيئته لنفسه ، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالاً . وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء ، فإذا أعطى اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا ، فيضيق عيه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله . روى مسلم " عن أسماء بنت أبي بكر قالت : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي الله عليك " . وروى النسائي " عن عائشة قالت : دخل علي سائل مرة عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ، قلت : نعم ، قال : مهلا يا عائشة لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك" .
الخامسة : قوله تعالى : "ثم استوى" ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه . والاستواء في اللغة : الارتفاع والعلو على الشيء ، قال الله تعالى : "فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك" ، وقال "لتستووا على ظهوره" ، وقال الشاعر :
فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد خلق النجم اليماني فاستوى
أي ارتفع وعلا ، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي ، بمعنى علا . وهذه الآية من المشكلات ، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه ، قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وذهب إليه كثير من الأئمة ، وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله تعالى : "الرحمن على العرش استوى" قال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك رجل سوء ! أخرجوه . وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة . وهذا قول المشبهة . وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها . وقال الفراء في قوله عز وجل : "ثم استوى إلى السماء فسواهن" قال : الاستواء في كلام العرب على وجهين ، أحدهما : ان يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته ، أو يستوي عن اعوجاج ، فهذا ن وجهان . ووجه ثالث أن تقول : كان فلان مقبلاً على فلان ثم استوى علي وإلي يشاتمني . على معنى أقبل إلي وعلي .هذا معنى قوله : "ثم استوى إلى السماء" والله أعلم . قال وقد قال ابن عباس : ثم استوى إلى السماء صعد . وهذا كقولك : كان قاعداً فاستوى قائماً ، وكان قائماً فاستوى قاعداً ، وكل ذلك في كلام العرب جائز . وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله استوى بمعنى أقبل صحيح ، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء ، والقصد هو الإرادة ، وذلك جائز في صفات الله تعالى . ولفظة ثم تتعلق بالخلق لا بالإرادة . وأما ما حكي عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي ، و الكلبي ضعيف . وقال سفيان بن عيينة و ابن كيسان في قوله : "ثم استوى إلى السماء" . قصد إليها ، أي بخلقه واختراعه فهذا قول . وقيل : على دون تكييف ولا تحديد ، واختاره الطبري . ويذكر عن ابي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : استوى بمعنى أنه ارتفع . قال البيهقي : ومراده من ذلك ـ والله أعلم ـ ارتفاع أمره ، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء . وقيل : إن المستوي الدخان . وقال ابن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام . وقيل : المعنى استولى ، كما قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
قال ابن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى : "الرحمن على العرش استوى" قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى . والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة .
السادسة : يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء ، وكذلك في حم السجدة . وقال في النازعات : "أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها" فوصف خلقها ، ثم قال : "والأرض بعد ذلك دحاها" . فكأن السماء على هذا خلقها قبل الأرض ، وقال تعالى : "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض" وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولاً ، حكاه عنه الطبري . وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه ، فجعله أرضاً وثار منه دخان فارتفع ، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سموات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وكان إذ خلقها غير مدحوة .
قلت : وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى ، وهو أن الله تعالى خلق أولاً دخان السماء ثم خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها ، ثم دحا الأرض بعد ذلك .
ومما يدل على أن الدخان خلق أولاً قبل الأرض ما رواه السدي عن ابي مالك ، وعن ابي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات" قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء ، فسما عليه ، فسماه سماء ، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين ، في الأحد والإثنين . فجعل الأرض على حوت والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله : "ن والقلم" والحوت في الماء والماء على صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على الصخرة ، والصخرة في الريح ـ وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسل عليها الجبال فقرت ، فالجبال تفخر على الأرض ، وذلك قوله تعالى : "وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم" وخلق الجبال فيها ، وأقوات أهلها وشجرها ، وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : " قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين " يقول : من سأل فهكذا الأمر ، "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فقتها فجعلها سبع سموات في يومين ، في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض "وأوحى في كل سماء أمرها" قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظاً تحفظ من الشياطين . فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، قال فذلك حين يقول :"خلق السماوات والأرض في ستة أيام" ويقول : "كانتا رتقا ففتقناهما" وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى . وروى وكيع عن الأعمش عن ابي ظبيان عن ابن عباس قال : إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء القلم فقال له أكتب . فقال : يا رب وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر . فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة . قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها ، فارتفع بخار الماء ففتق منه السموات ، واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة . ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدخان ، خلاف الرواية الأولى . والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى ، لقوله تعالى : "والأرض بعد ذلك دحاها" والله أعلم بما فعل ، فقد اختلفت فيه الأقاويل ، وليس للاجتهاد فيه مدخل .
وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار ان إبليس تغلغل الى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها ، فألقى في قلبه ، فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال ! لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع . قال : فهم لوثيا بفعل ذلك ، فبعث الله دابة فدخلت في منخرة ، فعج إلى الله نها فخرجت . قال كعب : والذي نفسي بيده ، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت .
السابعة : أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجة في سننه ، و أبو حاتم البستي في صحيح مسنده " عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله ، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني ، أنبئني عن كل شيء . قال : كل شيء خلق من الماء فقلت : أخبرني عن شيء إذا عملت به دخلت الجنة . قال : أطعم الطعام وأفش السلام وصل الأرحام وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام " . قال أبو حاتم قول ابي هريرة : " أنبئني عن كل شيء " أراد به عن كل شيء خلق من الماء . والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال : "كل شيء خلق من الماء" وإن لم يكن مخلوقاً . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون" .
ويروى ذلك أيضاً عن عبادة بن الصامت مرفوعاً . قال البيهقي : وإنما أراد ـ والله أعلم ـ أول شيء خلقه بعد الخلق الماء والريح والعرش القلم . وذلك بين في :
حديث عمران بن حصين ، " ثم خلق السموات والأرض " . وذكر عبد الرازق عن عمر بن حبيب بن عمرو بن المكي عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق ؟ قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب . قال الرجل : فمم خلق هؤلاء ؟ قال : لا أدري . قال : ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله ، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو . قال : فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله ، فقال : مم خلق الخلق ؟ قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب . قال الرجل : فمم خلق هؤلاء ؟ فتلا عبد الله بن عباس : "وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه" فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم . قال البيهقي : أراد أن مصدر الجميع منه ، أي من خلقه وإبداعه واختراعه . خلق الماء أولاً ، أو الماء وما شاء من خلقه ، لا عن أصل ولا على مثال سبق ، ثم جعله أصلاً لما خلق بعد ، فهو المبدع وهو البارىء لا إله غيره ولا خالق سواه ، سبحانه جل وعز .
الثامنة : قوله تعالى : "فسواهن سبع سماوات" ذكر تعالى أن السموات سبع . ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى : "ومن الأرض مثلهن" وقد اختلف فيه ، فقيل : ومن الأرض مثلهن أي في العدد ، لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار ، فتعين العدد . وقيل : "ومن الأرض مثلهن" أي في غلظهن وما بينهن . وقيل : هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض ، قاله الداودي . والصحيح الأول ، وأنها سبع كالسموات سبع . روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"من أخذ شبراً من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين" .
وعن عائشة رضي الله عنها مثله ، إلا أن فيه من بدل إلى . ومن حديث أبي هريرة :
"ولا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين يوم القيامة" . وروى النسائي عن ابي سعيد الخدري " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى عليه السلام : يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به قال : يا موسى . قل : لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئاً تخصني به قال يا موسى : لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله " . وروى الترمذي عن أبي هريرة قال :
"بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : هل تدرون ما هذا فقالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ـ قال ـ هل تدرون ما فوقكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف ـ ثم قال ـ هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام ـ ثم قال : ـ هل تدرون ما فوق ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ثم قال كذلك حتى عد سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض . ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين ـ ثم قال : ـ هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها الأرض ـ ثم قال : ـ هل تدرون ما تحت ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين ، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله ـ ثم قرأ ـ "هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم" " . قال أبو عيسي : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه . علم الله وقدرته وسلطانه في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه . قال : هذا حديث غريب ، و الحسن لم يسمع من ابي هريرة . والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة ، وفيما ذكرنا كفاية . وقد روى أبو الضحى ـ واسمه مسلم ـ عن ابن عباس أنه قال : "الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن" قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى . قال البيهقي : إسناد هذا عن ابن عباس صحيح ، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحا عليه دليلاً ، والله أعلم .
التاسعة : قوله تعالى : "هو الذي خلق لكم ما في الأرض" ابتداء وخبر . ما في موضع نصب . "جميعا" عند سيبويه نصب على الحال . "ثم استوى" أهل نجد يميلون ليدلوا على أنه من ذوات الياء ، وأهل الحجاز يفخمون . "سبع" منصوب على البدل من الهاء والنون ، أي فسوى سبع سموات . ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوي بينهن سبع سموات ، كما قال الله جل وعز : "واختار موسى قومه سبعين رجلا" أي من قومه ، قاله النحاس . وقال الأخفش : انتصب على الحال ."وهو بكل شيء عليم" ابتداء وخبر . والأصل في هو تحريك الهاء ، والإسكان استخفاف .
والسماء تكون واحدة مؤنثة ، مثل عنان ، وتذكيرها شاذ ، وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش ، وسماءة في قول الزجاج ، وجمع الجمع سماوات وسماءات . فجاء سواهن إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس . ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس . وقيل : جعلهن سواء .
العاشرة : قوله تعالى : "وهو بكل شيء عليم" أي بما خلق ، وهو خالق كل شيء فوجب أن يكون عالماً بكل شيء ، وقد قال : "ألا يعلم من خلق" فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته ، ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية . وقالت الجهمية : عالم بلا علم قائم لا في محل ، تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات ، والرد على هؤلاء في كتب الديانات . وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال : "أنزله بعلمه والملائكة يشهدون" ، وقال : "فاعلموا أنما أنزل بعلم الله" ، وقال : "فلنقصن عليهم بعلم" ، وقال "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" ، وقال : "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" الآية . وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله : "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" إن شاء الله تعالى . وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من : هو وهي ، إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم ، وكذلك فعل أو عمرة إلا مع ثم . وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من "أن يمل هو" ، والباقون بالتحريك .
استمع الى القرآن الكريم
اتجاه القبلة (اضغط هنا لتكبير الخريطة)
| موقعك | ||||
| خط العرض: | خط الطول: | |||
| موقع القبلة | ||||
| الدرجات: | المسافة: ميل | |||
الرابط:
عربي
English
Francais
Español
Deutsch
Italiano
Portugues
Svenska
Indonesia
Dansk
Norsk
Suomi
Türkçe
فارسی
Ελληνικά
Nederlands
Polski
Русский
日本
中文
