تفسير آية 2:3 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com


تفسير آية 2:3 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com

{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}

تفسير آية 2:3


قوله تعالى : "الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون" .
فيها ست وعشرون مسألة :
الأولى : قوله : "الذين" في موضع خفض نعت للمتقين ، ويجوز الرفع على القطع أي هم الذين ، ويجوز النصب على المدح . "يؤمنون" يصدقون . والإيمان في اللغة : التصديق ، وفي التنزيل : "وما أنت بمؤمن لنا" أي بمصدق ، ويتعدى بالباء واللام ، كما قال : "ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم" "فما آمن لموسى" . وروى حجاج بن حجاج الأحول ـ ويلقب بزق العسل ـ قال سمعت قتادة يقول : يا بن آدم ، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة الى السأمة والفترة والملة ، ولكن المؤمن هو المتحامل ، والمؤمن هو المتقوى ، والمؤمن هو المتشدد ، وإن المؤمنين هم العجاجون الى الله الليل والنهار ، والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية .
الثانية : قوله تعالى : "بالغيب" الغيب في كلام العرب : كل ما غاب عنك ، وهو من ذوات الياء ، يقال منه : غابت الشمس تغيب ، والغيبة معروفة . وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها ، ووقعنا في غيبة وغيابة ، أي هبطة من الأرض ، والغيابة : الأجمة ، وهي جماع الشجر يغاب فيها ، ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب ، لأنه غاب عن البصر .
الثالثة : واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا ، فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية : الله سبحانه . وضعفه ابن العربي . وقال آخرون : القضاء والقدر . وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب . وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي اليه العقول من أشرط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار . قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها .
قلت : وهذا هو الإيمان الشرعي المشار اليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : " فأخبرني عن الإيمان . قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره . قال : صدقت " . وذكر الحديث . وقال عبد لله بن مسعود :ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : "الذين يؤمنون بالغيب" .
قلت : وفي التنزيل : "وما كنا غائبين" وقال : "الذين يخشون ربهم بالغيب" . فهو سبحانه غائب عن الأبصار ، غير مرئي في هذه الدار ، غير غائب بالنظر والاستدلال ، فهم يؤمنون أن لهم ربا قادراً يجازي على الأعمال ، فهم يخشونه في سرائرهم ، وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس ، لعلمهم باطلاعه عليهم ، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض ، والحمد لله . وقيل : بالغيب أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين ، وهذا قول حسن . وقال الشاعر :
وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمد
الرابعة : قوله تعالى : "ويقيمون الصلاة" معطوف جملة على جملة . وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها ، على ما يأتي بيانه . يقال : قام الشيء أي دام وثبت ، وليس من القيام على الرجل ، وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت ، قول الشاعر :
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال آخر
وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعان
وقيل : يقيمون يديمون ، وأقامه أي أدامه ، والى هذا المعنى أشار عمر بقوله : من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع .
الخامسة : إقامة الصلاة معروفة ، وهي سنة عند الجمهور ، وأنه لا إعادة على تاركها . وعند الأوزاعي و عطاء و مجاهد و ابن ابي ليلى هي واجبة وعلى من تركها الإعادة ، وبه قال أهل الظاهر ، وروي عن مالك ، واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي :
وأقم فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء .
قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث وهي أن الإقامة فرض . قال ابن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم :
"وتحريمها التكبير" دلي لعى أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم ، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك . وقال بعض علمائنا : من تركها عمداً أعاد الصلاة ، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها ، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن ، والله أعلم .
السادسة : واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا ؟ فذهب الأكثر الى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام :
"إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وآتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" .
رواه أبو هررة أخرجه مسلم . وعنه أيضاً قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك" . وهذا نص . ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها . وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع . وقال اسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ، وروي عن مالك نحوه ، وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ، وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب ، لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر .
قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى ، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ، لأنه في صلاة ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر ، فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي ، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه . ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من السنة ، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك فإنك في صلاة" . فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي ، وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : "فاسعوا إلى ذكر الله" وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام ، وإنما عنى العمل والفعل ، هكذا فسره مالك . وهو الصواب في ذلك والله أعلم .
السابعة :: واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : "وما فاتكم فأتموا" وقوله : "واقض ما سبقك" هل هما بمعنى واحد او لا ؟ فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد يطلق ويراد به التمام ، قال الله تعالى : "فإذا قضيت الصلاة" وقال : "فإذا قضيتم مناسككم" . وقيل : معناهما مختلف وهو الصحيح ، ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها ؟ فذهب الى الأول جماعة من أصحاب مالك ـ منهم ابن القاسم ـ ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة ، فيكون بانياً في الأفعال قاضياً في الأقوال . قال ابن عبد البر : وهو المشهور من المذهب . وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا ، وهو قول الأوزاعي و الشافعي و محمد بن الحسن و أحمد بن حنبل و الطبري و داود بن علي . وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك : أن ما أدرك فهو آخر صلاته ، وأنه يكون قاضياً في الأفعال والأقوال ، وهو قول الكوفيين . قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك . قال ابن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام ، لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة ، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها ، فمن ها هنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته ، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله : فأتموا والتمام هو الآخر .
واحتج الآخرون بقوله : فاقضوا والذي يقضيه هو الفائت ، إلا أن رواية من روى فأتموا أكثر ، وليس يستقيم على قول من قال :إن ما أدرك أول صلاته ويطرد ، إلا ما قاله عبد العزيز بن ابي سلمة الماجشون و المزني و إسحاق و داود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه ، وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها ، فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم ، رضي الله عنهم .
الثامنة : الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" خرجه مسلم وغيره ، فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها ، لقوله تعالى : "ولا تبطلوا أعمالكم" وخاصة إذا صلى ركعة منها . وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك . والله أعلم .
التاسعة : واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ، ثم اقيمت الصلاة ، فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما ، وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد ، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد ـ التي تصلى فيها الجمعة ـ اللاصقة بالمسجد ، وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ، ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من ترهما . وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي ان تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه ، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ، ثم يدخل مع الإمام . وكذلك قال الأوزاعي إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة . وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد . وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر . وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد وكذلك قال الطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك ، وهو الصحيح في ذلك ، لقوله عليه السلام : "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" . وركعتا الفجر إما سنة ، وإما فضيلة ، وإما رغيبة ، والحجة عند التنازع حجة السنة . ومن حجة قول مالك المشهور و أبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ، ثم إنه صلى مع الإمام . ومن حجة الثوري و الأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة فصلى الى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما . قالوا : وإذا جاز ان يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك في المسجد ، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال :"أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يصلي والمؤذن يقيم ، فقال : أتصلي الصبح أربعاً !" . وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي ، ويمكن أن يستدل به أيضاً على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت ، لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك ، والله أعلم .
العاشرة :الصلاة أصلها في اللغة الدعاء ، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ، ومنه قوه عليه السلام :
"إذا دعي احدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصل" أي فليدع . وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة ، فيصلي ركعتين وينصرف ، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر .
ولما ولدت اسماء عبد الله بن الزبير أرسلته الى النبي صلى الله عليه ، قالت أسماء : ثم مسحه ووصلى عليه ، أي دعا له وقال تعالى : "وصل عليهم" أي ادع لهم .
وقال الأعشى :
تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاف والوجعا
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
وقال الأعشى ايضاً :
وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم
ارتسم الرجل : كبر ودعا ، قاله في الصحاح . وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل ، لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق ، فاشتقت الصلاة منه ، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت بالمصلي من الخيل ، وإما لأن الراكع تثنى صلواه . والصلا : مغرز الذنب من الفرس ، والاثنان صلوان . والمصلى : تالي السابق ، لأن رأسه عند صلاة . وقال علي رضي الله عنه :سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وثلث عمر . وقيل هي مأخوذة من اللزوم ، ومنه صلي بالنار إذا لزمها ، ومنه "تصلى نارا حامية" . قال الحارث بن عباد :
لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صال
أي ملازم لحرها ، وكأن المعنى على هذا ملازمة العباد على الحد الذي أمر الله تعالى به . وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء . والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود ، فإن فتحت الصاد قصرت ، فقلت صلا النار ، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع ، قال الخارزنجي :
فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلى عصاك كمستديم
والصلاة : الدعاء . والصلاة : الرحمة ، ومنه :
اللهم صل على محمد الحديث . والصلاة : العبادة ، ومنه قوله تعالى : "وما كان صلاتهم عند البيت" الآية ، أي عبادتهم . والصلاة : النافلة ، ومنه قوله تعالى : "وأمر أهلك بالصلاة" . والصلاة التسبيح ، ومنه قوله تعالى : "فلولا أنه كان من المسبحين" أي من المصلين .ومنه سبحه الضحى . وقد قيل في تأويل "نسبح بحمدك" : نصلي . والصلاة : القراءة ، ومنه قوله تعالى : "ولا تجهر بصلاتك" فهي لفظ مشترك . والصلاة : بيت يصلي فيه ، قال ابن فارس . وقد قيل : إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة ، فإن الله تعالى لم يخل زماناً من شرع ، ولم يخل شرع من صلاة ، حكاه أبو نصر القشيري .
قلت : فعلى هذا القول لا اشتقاق لها ، وعلى قول الجمهور وهي :
الحادية عشرة : اختلف الأصولين هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي ، وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج ، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام ، أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع . هنا اختلافهم والأول أصح ، لأن الشريعة ثبتت بالعربية ، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ، ولكن للعرب تحكم في الأسماء ، كالدابة وضعت لكل ما يدب ، ثم خصصها العرف بالبهائم ، فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء ، والله أعلم .
الثانية عشرة : واختلف في المراد بالصلاة هنا ، فقيل : الفرائض . وقيل: الفرائض والنوافل معاً ، وهو الصحيح ، لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما .
الثالثة عشرة : الصلاة سبب للرزق ، قال الله تعالى : "وأمر أهلك بالصلاة" الآية ، على مايأتي بيانه في طه إن شاء الله تعالى . وشفاء من وجع البطن وغيره ، روى ابن ماجة " عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست ، فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أشكمت درده قلت : نعم يا رسول الله ، قال : قم فصل فإن في الصلاة شفاء" .في رواية : " أشكمت درد " يعني تشتكي بطنك بالفارسية .
وان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع الى الصلاة .
الرابعة عشرة :الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض ، فمن شروطها : الطهارة ، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة . وستر العورة ، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى .
وأما فروضها : فاستقبال القبلة ، والنية ، وتكبيرة الإحرام والقيام لها ، وقراءة أم القرآن والقيام لها ، والركوع والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه ، والسجود والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من السجود ، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ، والسجود الثاني والطمأنينة فيه . والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لما أخل بها ، فقال له :
إذا قمت الى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعاً ثم ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطئمن جالساً ثم افعل ذلك في صلاتك كلها خرجه مسلم .
ومثله حديث : رفاعة بن رافع ، أخرجه الدار قطني وغيره . قال علماؤنا . فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة ، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات ، وعن التسبيح في الركوع والسجود ، وعن الجلسة الوسطى ، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام . أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما . وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء ، لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع . وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام . وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب ، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة ، وهو قول الحميدي ، ورواية عن الأوزاعي . واحتجوا بقوله عليه السلام :
"صلوا كما رأيتموني أصلي" أخرجه البخاري . قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل ، لأنه المبلغ عن الله مراده . وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور . وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضاً للسهو ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه ، وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها . وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه . وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها ألى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ، فإن تركه ساهياً سجد للسهو ، فإن لم يسجد فلا شيء عليه ، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامداً ، لأنه سنة من سنن الصلاة ، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية .
قلت : هذا هو الصحيح ، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم . وقد ترجم البخاري رحمه الله ( باب إتمام التكبير في الركوع والسجود ) وساق حديث مطرف بن عبد الله قال :
صليت خلف علي بن ابي طالب أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا نهض من الركعتين كبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم . وحديث عكرمة قال :
رأيت رجلاً عند المقام يكبر في كل خفض ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فأخبرت ابن عباس فقال : أو ليس تلك صلاو النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك ! فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولاً به عندهم . روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن ابي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يكبر في كل خفض ورفع ، وقيام وقعود ، قال أبو موسى : فإما نسيناها وإما تركناها عمداً .
قلت : أتراهم أعادوا الصلاة ! فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته ! ولو كان ذلك لم فرق بين السنة والفرض ، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه ، وبالله التوفيق .
الخامسة عشرة : وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور ، وأوجبه إسحاق بن راهوية ، وأن من تركه أعاد الصلاة ، لقوله عليه السلام :
"أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم" .
السادسة عشرة : وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك ، فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان . وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة ، والقراض من الإجارات ، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعاً . واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة . احتج من لم يوجبه بأن قالوا : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به ، كما لو ترك سجدة أو ركعة ، ويراعي فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما . وفي حديث عبد الله ابن بحينة :
"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي ان يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائماً فقاموا ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم" ، فلو كان الجلوس فرضاً لم يسقطه النسيان والسهو ، لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم .
واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك . وهي :
السابعة عشرة : على خمسة أقوال :
أحدها : أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض . وممن قال ذلك الشافعي و أحمد بن حنبل في رواية ، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة ، وبه قال داود . قال الشافعي من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه . وإذا ترك التشهد الأخير ساهياً أو عامداً أعاد . واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض ، لأن أصل فرضها مجمل يفتقر الى البيان إلا ما خرج بدليل . وقد قال صلى الله عليه وسلم :
"صلوا كما رأيتموني أصلي" .


استمع الى القرآن الكريم

1. الفاتحة2. البقرة3. آل عمران4. النساء5. المائدة
6. الأنعام7. الأعراف8. الأنفال9. التوبة10. يونس
11. هود12. يوسف13. الرعد14. إبراهيم15. الحجر
16. النحل17. الإسراء18. الكهف19. مريم20. طه
21. الأنبياء22. الحج23. المؤمنون24. النور25. الفرقان
26. الشعراء27. النمل28. القصص29. العنكبوت30. الروم
31. لقمان32. السجدة33. الأحزاب34. سبأ35. فاطر
36. يس37. الصافات38. ص39. الزمر40. غافر
41. فصلت42. الشورى43. الزخرف44. الدخان45. الجاثية
46. الأحقاف47. محمد48. الفتح49. الحجرات50. ق
51. الذاريات52. الطور53. النجم54. القمر55. الرحمن
56. الواقعة57. الحديد58. المجادلة59. الحشر60. الممتحنة
61. الصف62. الجمعة63. المنافقون64. التغابن65. الطلاق
66. التحريم67. الملك68. القلم69. الحاقة70. المعارج
71. نوح72. الجن73. المزمل74. المدثر75. القيامة
76. الإنسان 77. المرسلات78. النبأ79. النازعات80. عبس
81. التكوير82. الانفطار83. المطففين84. الانشقاق85. البروج
86. الطارق87. الأعلى88. الغاشية89. الفجر90. البلد
91. الشمس92. الليل93. الضحى94. الشرح95. التين
96. العلق97. القدر98. البينة99. الزلزلة100. العاديات
101. القارعة102. التكاثر103. العصر104. الهمزة105. الفيل
106. قريش107. الماعون108. الكوثر109. الكافرون110. النصر
111. المسد112. الاخلاص113. الفلق114. الناس

 
موقعك
خط العرض:   خط الطول:  
موقع القبلة
الدرجات:   المسافة:   ميل

الرابط:



© ListenArabic.com 2006-2012. جميع الحقوق محفوظة