تفسير آية 2:36 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com


تفسير آية 2:36 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com

{فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}

تفسير آية 2:36


قوله تعالى : "فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه" فيه عشر مسائل :
الأولى : قوله تعالى : "فأزلهما الشيطان عنها" قرأ الجماعة فأزلهما بغير ألف، من الزلة وهي الخطيئة ، أي استزلهما وأوقعهما فيها . وقرأ حمزة فأزلهما بألف ، من التنحية ، أي نحاهما . يقال أزلته فزال . قال ابن كيسان :فأزالهما من الزوال ، أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية .
قلت : وعلى هذا تكون القراءتان بمعنىً ، إلا أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى . يقال منه : أزللته فزل . ودل على هذا قوله تعالى : "إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا" ، وقوله : "فوسوس لهما الشيطان" والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزلل بالمعصية ، وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان ، إنما قدرته على إدخاله في الزلل ، فيكون ذلك سبباً إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه . وقد قيل : إن معنى أزلهما من زل عن الكان إذا تنحى ، فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال . قال المرؤ القيس :
يزل الغلام الخف عن صهواته ويلوي بأثواب العنيف المثقل
وقال أيضاً :
كميت يزل اللبد عن حال متنه كما زلت الصفواء بالمتنزل
الثانية : قوله تعالى : "فأخرجهما مما كانا فيه" إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله : فأخرجهما تأكيد وبيان للزوال ، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة ، وليس كذلك ، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض ، لأنهما خلقا منها ، وليكون آدم خليفة في الأرض . ولم يقصد إبليس ـ لعنه الله ـ إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أبعد هو ، فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده ، بل ازداد سخنة عين وغيظ نفس وخيبة ظن . قال الله جل ثناؤه : "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جاراً له في داره ، فكم بين الخليفة والجار ! صلى الله عليه وسلم . ونسب ذلك إلى إبليس ، لأنه بسببه وإغوائه . ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولي إغواء آدم ، واختلف في الكيفية ، فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة ، ودليل ذلك قوله تعالى : "وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" والمقاسمة ظاهرها المشافهة . وقال بعضهم ، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن منبة : دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يدخله إلا الحية ، فلما دخلت به الجنة خرج من جوفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حواء فقال : انظري إلى هذه الشجرة ، ما أطيب ريحها وأطيب طعمها وأحسن لونها ! فلم يزل يغويها حتى أخذتها حواء فأكلتها . ثم اغوى آدم ، وقالت له حواء : كل فإني قد أكلت فلم يضرني ، فأكل منها فبدت لهما سواءتهما وحصلا في حكم الذنب ، فدخل آدم في جوف الشجرة ، فناداه ربه : أين أنت ؟ فقال : أنا هذا يا رب ، قال : ألا تخرج ؟ قال استحي منك يا رب ، قال : اهبط إلى الأرض التي خلقت منها . ولعنت الحية وردت قوائهما في جوفها وجعلت العدواة بينها وبين بني آدم ، ولذلك أمرنا بقتلها ، على ما يأتي بيانه . وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مراراً . زاد الطبري والنقاش : وتكوني سفيهة وقد كنت حليمة . وقالت طائفة : إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى ، كما قال صلى الله عليه وسلم :
"إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" . والله أعلم . وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عرياناً وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبكتوه بالمعصية ، فرحمته شجرة التين ، فأخذ من ورقه فاستتر به . فبلي بالعري دون الشجر . والله أعلم . وقيل : إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا .
الثالثة : يذكر أن الحية كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكنت عدو الله من نفسها وأظهرت العدواة له هناك ، فلما أهبطوا تأكدت العداوة وجعل رزقها التراب ، وقيل لها : أنت عدو بني آدم وهم أعداؤك وحيث لقيك منهم أحد شدخ رأسك . روى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"خمس يقتلهن المحرم" فذكر الحية فيهن . وروى أن إبليس قال لها : أدخليني الجنة وأنت في ذمتي ، فكان ابن عباس يقول : أخفروا ذمة إبليس . وروت ساكنة بنت الجعد عن سراء بنت نبهان الغنوية قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأسودها وأبيضها فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا" . قال علماؤنا : وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده ، فكذلك كان من قتل حية فكأنما قتل كافراً . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"لا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا" . أخرجه مسلم وغيره .
الرابعة : روى ابن جريج عن عمرو بن دينار عن ابي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمنى فمرت حية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتلوها فسبقتنا إلى حجر فدخلته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه نارا " . قال علماؤنا : وهذا الحديث يخص نهيه عليه السلام عن المثلة وعن ان يعذب أحد بعذاب الله تعالى ، قالوا : فلم يبق لهذا العدو حرمة حيث أنه فاته حتى أوصل اليه الهلاك من حيث قدر .
فإن قيل : قد روي عن إبراهيم النخعي أنه كره أن تحرق العقرب بالنار ، وقال : هو مثلة . قيل له : يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمل على الأثر الذي جاء :
لا تعذبوا بعذاب الله فكان على هذا سبيل العمل عنده .
فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبد الله بن مسعود قال :
" كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه : "والمرسلات عرفا" فنحن نأخذها من فيه رطبة ، إذ خرجت علينا حية ، فقال : اقتلوها ، فابتدرناها لنقتلها فسبقتنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقاها الله شركم كما وقاكم شرها " . فلم يضرم ناراً ولا احتال في قتلها . قيل له : يحتمل أن يكون لم يجد ناراً فتركها ، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان . والله أعلم .
وقوله : "وقاها الله شركم" أي قتلكم إياها "كما وقاكم شرها" أي لسعها .
الخامسة : الأمر بقتل الحيات من باب الإرشاد إلى دفع المضمرة المخوفة من الحيات ، فما كان منها متحقق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله ، لقوله :
"اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر يخطفان البصر ويسقطان الحبل" . فخصهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبه على ذلك بسبب عظم ضررهما . وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قتل أيضاً لظاهر الأمر العام ، ولأن نوع الحيات غالبة الضرر ، فيستصحب ذلك فيه ، ولأنه كله مروع بصورته وبما في النفوس من النفرة عنه ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم :
"إن لله يحب الشجاعة ولو على قتل حية" . فشجع على قتلها . وقال فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً :
"اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثأرهن فليس مني" . والله أعلم .
السادسة : ما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام ، لقوله عليه السلام :
"إن بالمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام" . وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجن بها ، قالوا : ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا ، قاله ابن نافع . وقال مالك : نهى عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد . وهو الصحيح ، لأن الله عز وجل قال : "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن" الاية . وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن" وفيه : سألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة ، الحديث . وسيأتي بكماله في سورة الجن إن شاء الله تعالى . وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
السابعة : روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة .
أنه دخل علي ابي سعيد الخدري في بيته ، قال :
فوجدته يصلي ، فجلست أنتظره حتى يقضى صلاته ، فسمعت تحريكاً في عراجين ناحية البيت ، فالتفت فإذا حية ، فوثبت لأقتلها ، فأشار إلي أن أجلس فجلست ، فلما انصرف اشار إلى بيت في الدار فقال : أترى هذا البيت ؟ فقلت نعم ، فقال : كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس ، قال : فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق ، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله ، فاستأذنه يوماً ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قريظة . فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع ، فإذا أمراته بين البابين قائمة فأهوى اليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة ، فقالت له : أكفف عليك رمحك ، وأدخل البيت حتى تنظر ما الذي اخرجني ! فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش ، فأهوى إليها بالرمح فأنتظمها به ، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه ، فما يدري أيهما كان أسرع موتاً ، الحية أم الفتى ! قال : فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له ، وقلنا : ادع الله يحييه لنا ، فقال : استغفروا لصاحبكم ـ ثم قال : ـ إن بالمدينة جنا قد اسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان . وفي طريق أخرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ـ وقال لهم ـ اذهبوا فادفنوا صاحبكم" . قال علماؤنا رحمة الله عليم : لا يفهم من هذا الحديث ان هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلماً وأن الجن قتلته به قصاصاً ، لأنه لو سلم ان القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض ، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة ، إذ لم يكن عنده علم من ذلك ، وإنما قصد إلى قتل ما سوغ قتل نوعه شرعاً ، فهذا فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه . فالأولى أن يقال : إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عدواً وانتقاماً . وقد قتلت سعد بن عبادة رضي الله عنه ، وذلك أنه وجد ميتاً في مغتسله وقد أحضر جسده ، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يرون أحداً :
قد قتلنا سيد الخـز ـزج سعد بن عبادة
ورمينـــاه بسهميـ فلم نخـط فـؤاده
وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
"إن بالمدينة جنا قد اسلموا" ليبين طريقاً يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم . روي من وجوه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جاناً فأريت في المنام أن قائلاً يقول لها : لقد قتلت مسلماً ، فقالت : لو كان مسلماً لم يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك . فأصبحت فأمرت باثني عشر بألف درهم فجعلت في سبيل الله . وفي رواية : ما دخل عليك إلا وأنت مستترة ، فتصدقت وأعتقت رقاباً . وقال الربيع بن بدر : الجان من الحيات التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي ، وعن علقمة نحوه .
الثامنة : في صفة الإنذار ، قال مالك : أحب إلي أن ينذورا ثلاثة أيام . وقاله عيسى بن دينار ، وإن ظهر في اليوم مراراً . ولا يقصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام . وقيل : يكفي ثلاث مرار ، لقوله عليه السلام : "فليؤذنه ثلاثا" . وقوله : "حرجوا عليه ثلاثا" ولأن ثلاثاً للعدد المؤنث ، فظهر أن المراد ثلاث مرات . وقول مالك أولى ، لقوله عليه السلام : "ثلاثة أيام" . وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات ، ويحمل ثلاثاً على إرادة ليالي الأيام الثلاث ، فغلب الليلة على عادة العرب ف باب التواريخ فإنها تغلب فيها التأنيث . قال مالك : ويكفي في الإنذار أن يقول : أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا . وذكر ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده حيات البيوت فقال : إذا رأيتم منها شيئا في مساكنكم فقولوا : أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام ، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام ، فإذا رأيتم منهن شيئا بعد فاقتلوه" .
قلت : وهذا يدل بظاهره أنه يكفى في الإذن مرة واحدة ، والحديث يرده . والله أعلم . وقد حكى ابن حبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول :
"أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان ـ عليه السلام ـ ألا تؤذيننا وألا تظهرن علينا" .
التاسعة : روى جبير عن نفير عن ابي ثعبة الخشني ـ واسمه جرثوم ـ " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يحلون ويظعنون " . وروى أبو الدرداء ـ واسمه عويمر ـ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"خلق الله الجن ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيات وخشاش الأرض وثلث ريح هفافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة اثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله" .
العاشرة : ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يقتل ابتداء لأجل إذابته من غير خلاف ، كالحية والعقرب والفأر والوزغ ، وشبهه . وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم " ... وذكر الحديث .
فالحية أبدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فكيها ، ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به . وقال لها إبليس أنت في ذمتي ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال :
"اقتلوها ولو كنتم في الصلاة" يعني الحية والعقرب .
والوزغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت . وهذا من نوع ما يروى في الحية . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
"من قتل وزغة فكأنما قتل كافرا" . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم :
"من قتل وزغة في أول ضربة كتبت له مائة حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك" وفي رواية أنه قال : "في أول ضربة سبعون حسنة" .
والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها . وروى عبد الرحمن بن أبي نعم عن ابي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"يقتل المحرم الحية والعقرب والحدأة والسبع العادي والكلب العقور والفويسقة" . واستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فتيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها .
والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبي الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جيفه . هذا كله في معنى الحية ، فلذلك ذكرناه . وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في المائدة وغيرها إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى : "وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو" فيه سبع مسائل :
الأولى : قوله تعالى : "وقلنا اهبطوا" حذفت الألف من اهبطوا في اللفظ لأنها ألف وصل . وحذفت الألف من قلنا في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها . وروي محمد بن مصفى عن ابي حيوة ضم الباء في اهبطوا ، وهي لغة يقويها أنه غير متعد والأكثر في غير المتعدي أن يأتي على يفعل . والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان ، في قول ابن عباس . وقال الحسن : آدم وحواء والموسوس . وقال مجاهد و الحسن أيضاً : بنو آدم وبنو إبليس . والهبوط : النزول من فوق إلى أسفل ، فأهبط آدم بسرنديب في الهند بجبل يقال له بوذ ومعه ريح الجنىة فعلق بشجرها وأوديتها فامتلأ ما هناك طيباً ، فمن ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام . وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع ، فأورث ولده الصلع . وفي البخاري عن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
"خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا" الحديث . وأخرجه مسلم وسيأتي . وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالأبلة ، والحية ببيسان ، وقيل : بسجستان .
وسجستان أكثر بلاد الله حيات ، ولولا العربد الذي يأكلها ويفنى كثيراً منها لأخليت سجستان من أجل الحيات ، ذكره أبو الحسن الأشعري .
الثانية : قوله تعالى : "بعضكم لبعض عدو" بعضكم مبتدأ ، عدو خبره ، والجملة في موضع نصب على الحال ، والتقدير وهذه حالكم . وحذفت الواو من و بعضكم لأن في الكلام عائداً ، كما يقال : رأيتك السماء تمطر عليك . والعدو : خلاف الصديق ، وهو من عدا إذا ظلم . وذئب عدوان : يعدو على الناس . والعدوان : الظلم الصراح . وقيل : هو مأخوذ من المجاوزة ، من قولك : لا يعدوك هذا الأمر ، أي لا يتجاوزك . وعداه إذا جاوزه ، فسمي عدوا لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه ، ومنه العدو بالقدم لمجاوزة الشيء ، والمعنيان متقاربان ، فإن من ظلم فقد تجاوز .
قلت : وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى : "بعضكم لبعض عدو" على الإنسان نفسه ، وفيه بعد وإن كان صحيحاً معنى . يدل عليه قوله عليه السلام :
"إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه اتق الله فينا فإنك إذا استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا" . فإن قيل : كيف قال عدو ولم يقل أعداء ، ففيه جوابان . أحدهما : أن بعضاً وكلاً يخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى ، وذلك في القرآن ، قال الله تعالى : "وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" على اللفظ ، وقال تعالى : "وكل أتوه داخرين" على المعنى . والجواب الآخر : أن عدوا يفرد في موضع الجمع ، قال الله عز وجل : "وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" بمعنى أعداء ، وقال تعالى : "يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو" . وقال ابن فارس :العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة والتأنيث ، وقد يجمع .
الثالثة : لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له ، لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبل توبته ، وإنما اهبطه إما تأديباً وإما تغليظاً للمحنة . والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزلية في ذلك ، وهي نشر نسله فيها ليكلفهم ويمتحنهم ، ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأخروي ، إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف ، فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة . ولله أن يفعل ما يشاء . وقد قال : "إني جاعل في الأرض خليفة" . وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة ، وقد تقدمت الإشارة إليها مع أنه خلق من الأرض . وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية : "قلنا اهبطوا" وسيأتي .
الرابعة : "ولكم في الأرض مستقر" ابتداء وخبر ، أي موضع استقرار . قاله أبو العالية وابن زيد . وقال السدي : مستقر يعني القبور .
قلت : وقول الله تعالى : "جعل لكم الأرض قرارا" يحتمل المعنيين . والله أعلم .
قلت : قول الله تعالى : "ومتاع" المتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك ، ومنه سميت متعة النكاح لأنها يتمتع بها . وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه إثر دفنه :
وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق
السادسة : قوله تعالى : "إلى حين" اختلف المتأولون في الحين على أقوال ، فقالت فرقة : إلى الموت ، وهذا قول من يقول : المستقر هو المقام في الدنيا . وقيل : إلى قيام الساعة ، وهذا قول من يقول : المستقر هو القبور . وقال الربيع : إلى حين إلى أجل . والحين : الوقت البعيد ، فحينئذ تبعيد من قولك الآن . قال خويلد :
كابي الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف
لقف الحوض لقفاً ، أي تهور من اسفله واتسع . وربما ادخلوا عليه التاء . قال أبو وجزة :
العاطفون تحين ما من عاطف والمطعمون زمان أين المطعم
والحين أيضاً : المدة ، ومنه قوله تعالى : "هل أتى على الإنسان حين من الدهر" . والحين : الساعة ، قال الله تعالى : "أو تقول حين ترى العذاب" قال ابن عرفة : الحين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها . وقوله : "فذرهم في غمرتهم حتى حين" أي حتى تفنى آجالهم . وقوله تعالى : "تؤتي أكلها كل حين" أي كل سنة ، وقيل : بل كل ستة أشهر ، وقيل : بل غدوةً وعشيا . قال الأزهري : الحين اسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان لها طالت أو قصرت . والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البتة . قال : والحين يوم القيامة . والحين : الغدوة والعشية ، قال الله تعالى : "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون" . ويقال : عاملته محاينة ، من الحين . وأحينت بالمكان : إذا أقمت به حيناً . وحان حين كذا أي أقرب . قالت بثينة :
وإن سلوى عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ولا حان حينها
السابعة : لما اختلف أهل اللسان في الحين اختلف فيه أيضاً علماؤنا وغيرهم ، فقال الفراء : الحين حينان : حين لا يوقف على حده ، والحين الذي ذكر الله جل ثناؤه : "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" ستة أشهر . قال ابن العربي : الحين المجهول لا يتعلق به حكم ، والحين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف ، وأكثر المعلوم سنة . و مالك يرى في الأحكام والأيمان أعم الأسماء والأزمنة . و الشافعي يرى الأقل . و أبو حنيفة توسط فقال : ستة أشهر . ولا معنى لقوله ، لأن المقدرات عنده لا تثبت قياساً ، وليس فيه نص عن صاحب الشريعة ، وإنما المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغةً . فمن نذر أن يصلي حيناً فيحمل على ركعة عند الشافعي ، لأنه أقل النافلة ، قياساً على ركعة الوتر . وقال مالك و أصحابه : أقل النافلة ركعتان ، فيتقدر الزمان بقدر الفعل . وذكر ابن خويز منداد في أحكامه : ان من حلف الآ يكلم فلاناً حيناً أو لا يفعل كذا حيناً ، أن الحين سنة . قال : واتفقوا في الأحكام أن من حلف ألا يفعل كذا حيناً أو لا يكلم فلاناً حيناً ، أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمنيه .
قلت : هذا الإتفاق إنما هو المذهب . قال مالك رحمه الله : من حلف ألا يفعل شيئاً إلى حين أو زمان أو دهر ، فذلك كله سنة . وقاله عنه ابن وهب : أنه شك في الدهر أن يكون سنة . وحكى ابن المنذر عن يعقوب وابن الحسن : أن الدهر ستة أشهر . وعن ابن عباس وأصحاب الراي و عكرمة وسعيد بن جبير و عامر الشعبي و عبيدة في قوله تعالى : "تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" أنه ستة أشهر . وقال الأوزاعي و أبو عبيد : الحين ستة اشهر . وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم ، ولا للحين غاية ، وقد يكون الحين عنده مدة الدنيا . وقال : لا نخنثه أبداً ، والورع أن يقضيه قبل انقضاء يوم . وقال أبو ثور وغيره : الحين والزمان على ما تحتمله اللغة ، يقال : قد جئت من حين ، ولعله لم يجىء من نصف يوم . قال الكيا الطبري الشافعي : وبالجملة ، الحين له مصارف ، ولم ير الشافعي تعيين محمل من هذه المحامل ، لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنىً معين . وقال بعض العلماء في قوله تعالى : إلى حين فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها ، وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب ، والله أعلم .


استمع الى القرآن الكريم

1. الفاتحة2. البقرة3. آل عمران4. النساء5. المائدة
6. الأنعام7. الأعراف8. الأنفال9. التوبة10. يونس
11. هود12. يوسف13. الرعد14. إبراهيم15. الحجر
16. النحل17. الإسراء18. الكهف19. مريم20. طه
21. الأنبياء22. الحج23. المؤمنون24. النور25. الفرقان
26. الشعراء27. النمل28. القصص29. العنكبوت30. الروم
31. لقمان32. السجدة33. الأحزاب34. سبأ35. فاطر
36. يس37. الصافات38. ص39. الزمر40. غافر
41. فصلت42. الشورى43. الزخرف44. الدخان45. الجاثية
46. الأحقاف47. محمد48. الفتح49. الحجرات50. ق
51. الذاريات52. الطور53. النجم54. القمر55. الرحمن
56. الواقعة57. الحديد58. المجادلة59. الحشر60. الممتحنة
61. الصف62. الجمعة63. المنافقون64. التغابن65. الطلاق
66. التحريم67. الملك68. القلم69. الحاقة70. المعارج
71. نوح72. الجن73. المزمل74. المدثر75. القيامة
76. الإنسان 77. المرسلات78. النبأ79. النازعات80. عبس
81. التكوير82. الانفطار83. المطففين84. الانشقاق85. البروج
86. الطارق87. الأعلى88. الغاشية89. الفجر90. البلد
91. الشمس92. الليل93. الضحى94. الشرح95. التين
96. العلق97. القدر98. البينة99. الزلزلة100. العاديات
101. القارعة102. التكاثر103. العصر104. الهمزة105. الفيل
106. قريش107. الماعون108. الكوثر109. الكافرون110. النصر
111. المسد112. الاخلاص113. الفلق114. الناس

 
موقعك
خط العرض:   خط الطول:  
موقع القبلة
الدرجات:   المسافة:   ميل

الرابط:



© ListenArabic.com 2006-2014. جميع الحقوق محفوظة