ListenArabic
تفسير آية 3:14 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com
{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}
تفسير آية 3:14
فيه إحدى عشرة مسألة :
الأولى : قوله تعالى : " زين للناس " زين من التزيين . واختلف الناس من المزين ، فقالت فرقة : الله زين ذلك ، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ذكره البخاري . وفي التنزيل : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها" ، ولما قال عمر : الآن يا رب حين زينتها لنا نزلت . " قل أؤنبئكم بخير من ذلكم" . وقالت فرقة : المزين هو الشيطان ، وهو ظاهر قول الحسن ، فإنه قال ك من زينها ما أحد اشد لها ذما من خالقها . فتتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للإنتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء . وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخديعة وتحسين أخذها من غير وجوهها . والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس ، وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهم . وقرأ الجمهور زين على بناء الفعل للمفعول ، ورفع حب . وقرأ الضحاك ومجاهد زين على بناء الفعل للفاعل ، ونصب حب . وحركت الهاء من الشهوات فرقا بين الاسم والنعت . والشهوات جمع شهوة وهي معروفة . ورجل شهوان للشيء ، وشيء شهي أي مشتهى واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة . وفي صحيح مسلم .
" حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها . وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها . وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة " ، وهو معنى قوله : " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " . أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي ، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة ، وهو معنى قوله : سهل بسهوة وهو بالسين المهملة .
الثانية : قوله تعالى : من النساء بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن ، لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء " أخرجه البخاري ومسلم . ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء . ويقال : في النساء فتنتان ، وفي الأولاد فتنة واحدة . فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم ، لن المرأة تامر زوجها بقطعة من الأمهات والأخوات . والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام . وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة ، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم . وروي عبدالله بن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب " . حذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال ن وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر ، لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء ، ولأنهن قد خلقن من الرجل ، فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له ، فغير مأمون كل واحد منهما على صاحبه . وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى منن الفتنة وأشد . وفي كتاب الشهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم :
أعروا النساء يلزمن الحجال . فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له الدين ، قال صلى الله عليه وسلم :
عليك بذات الدين تربت يداك أخرجه مسلم عن أبي هريرة . وفي سنن ابن ماحه عن عبدالله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن على الدين ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل .
الثالثة : قوله تعالى : والبنين عطف على ما قبله . وواحد من البنين ابن . قال الله تعالى مخبرا عن نوح : إن ابني من أهلي . وتقول في التصغير بني كما قال لقمان .
وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأشعث بن قيس :
هل لك من ابنة حمد من ولد قال نعم ، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني جبلة . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لئن قلت ذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة .
الرابعة : قوله تعالى : والقناطير القناطير جمع قنطار ، كما قال تعالى :" وآتيتم إحداهن قنطارا" وهو العقدة الكبيرة من المال ، وقيل : هو اسم للمعيار الذي يوزن به ، كما هو الرطل والربع . ويقال لما بلغ ذلك الوزن : هذا قنطار ، أي يعدل القنطار . والعرب تقول : قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار . وقال الزجاج : القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه ، تقول العرب : قنطرت الشيء إذا أحكمته ، ومنه سميت القنطرة لإحكامها . قال طرفة :
كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد
والقنطرة المعقودة ، فكأن القنطار عقد مال . واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على أقوال عديدة ، فروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبدالله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء . قال ابن عطية : وهو أصح الأقوال ، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية . وقيل : اثنا عشر ألف أوقية ، اسنده البستي في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض .
وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا . وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال : من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين ، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر قيل : وما القنطار قال : ملء مسك ثور ذهبا . موقوف ، وقال به أبو نضرة العبدي . وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية . وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغه الروم . وقال ابن عباس والضحاك والحسن : ألف ومائتا مثقال من الفضة ، ورفعه الحسن . وعن ابن عباس : اثنا عشر ألف درهم من الفضة ، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم ، وروي عن الحسن والضحاك . وقال سعيد بن المسيب : ثمانون ألفا . قتادة : مائة رطل من الدهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة . وقال أبو حمزة الثمالي : القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة . السدي : أربعة آلاف مثقال . مجاهد : سبعون ألف مثقال ، وروي عن ابن عمر . وحكى مكي قولا أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة ، وقله ابن سيده في المحكم ، وقال : القنطار بلغة بربر ألف مثقال . وقال الربيع بن أنس : القنطار المال الكثير بعضه على بعض ، وهذا هو المعروف عند العرب ، ومنه قوله : "وآتيتم إحداهن قنطارا " . أي مالا كثيرا . ومنه الحديث :
إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه أي صار له قنطار من المال . عن الحكم : القنطار هو ما بين السماء والأرض . واختلفوا في معنى المقنطرة فقال الطبري وغيره : معناه المضعفة ، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع . وروي عن الفراء أنه قال : القناطير جمع القنطار ، والمقنطرة جمع الجمع ، فيكون تسع قناطير . السدي : المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم . مكي : المقنطرة المكملة ، وحكاه الهروي ، كما يقال : بدر مبدرة ، وآلاف مؤلفة . وقال بعضهم : ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض . إبن كيسان والفراء : لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير . وقيل : المقنطرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا . وفي صحيح البستي عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المتقنطرين .
الخامسة : قوله تعالى : من الذهب والفضة الذهب مؤنثة ، يقال : هي الذهب الحسنة ، جمعها ذهاب وذهوب . ويجوز أن يكون جمع ذهبة ،ويجمع على الأذهاب . وذهب فلان مذهبا حسنا . والذهب : مكيال لأهل اليمن . ورجل ذهب إذا رأى معدن الذهب فدهش . والفضة معروفة ، وجمعها فضض . فالذهب مأخوذة من الذهاب ، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرق ، ومنه فضضت القوم فانفضوا ، أي فرقتهم فتفرقوا . وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود . ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم .
النار أخر دينار نطقت به والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع معذب القلب بين الهم والنار
السادسة : قوله تعالى : والخيل مؤنثة . قال ابن كيسان : حدثت عن أبي عبيدة أنه قال : واحد الخيل خائل ، مثل طائر وطير ن وضائن وضين ، وسمي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه . وقال غيره :هو اسم جمع لا واحد له من لفظه ، واحدة فرس ، كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها . وفي الخبر من حديث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم :
إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح . وهب بن منبه خلقها من ريح الجنوب . قال وهب : فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها . وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة الأنفال ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى . في الخبر :
إن الله عرض على آدم جميع الدواب ، فقيل له : اختر منها واحدا فاختار الفرس ، فقيل له : اخترت عزك ، فصار اسمه الخير من هذا الوجه . وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى . وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا ، ويقطعها كالالتهام بيديه على شيء خبطا وتناولا ، وسمي عربيا لأنه جيء به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت ، وإسماعيل عربي ، فصار له نحله من الله تعالى فسمي عربيا . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق . وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
خير الخيل الأدهم الأقرع الأرثم ثم الأقرع المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية . أخرجه الترمذي عن أبي قتادة . وفي مسند الدرامي عنه أن رجلا قال : يا رسول الله ، إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري قال : اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم . وروى النسائي عن أنس قال :
لم يكن أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النساء من الخيل . وروي الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر الحديث بطوله ، شهرته أغنت عن ذكره . وسيأتي ذكر أحكام الخيل في الأنفال والنحل بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى .
السابعة : قوله تعالى : المسومة : يعني الراعية في المروج والمسارح ، قاله سعيد بن جبير . يقال : سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة . وأسمتها أنا تركتها لذلك فهي مسامة . وسومتها تسويما فهي مسومة . وفي سنن ابن ماجة عن علي قال :
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السوم قبل طلوع الشمس ، وعن ذبح ذوات الدر . السوم هنا في معنى الرعي . وقال الله عز وجل : فيه تسيمون . قال الأخطل :
مثل ابن بزعة أو كآخر مثله أولى لك ابن مسيمة الأجمال
أراد ابن راعية الإبل . والسوام : كل بهيمة ترعى ، وقيل : المعدة للجهاد ، قاله ابن زيد . مجاهد ك المسومة المطهمة الحسان . وقال عكرمة : سومها الحسن ، واختاره النحاس ، من قولهم : رجل وسيم . وروي عن ابن عباس أنه قال : المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها ، من السيما وهي العلامة . وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة .
قلت : كل ما ذكر يحتمله اللفظ ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها . قال أبو زيد : أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى . وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله : المسومة المرسلة وعليها ركبانها . وقال المؤرج : المسومة المكوية . المبرد : المعروفة في البلدان . ابن كيسان : البلق . وكلها متقارب من السيما . قال النابغة :
وضمر كالقداح مسومات عليها معشر أشباه جن
الثامنة : قوله تعالى : ( والأنعام ) قال ابن كيسان : إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل ، فإذا قلت أنعام وقعت للإبل
وكل ما يرعى . قال الفراء : هو مذكر ولا يؤنث ، يقولون : هذا نعم وارد ، ويجمع أنعاما . قال الهروي : والنعم يذكر ويؤنث ، والأنعام المواشي من الإبل والبقر والغنم ، وإذا قيل : النعم هو الإبل خاصة . وقال حسان :
وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاء
وفي سنن ابن ماجة عن عروة البارقي يرفعه قال :
الإبل عز لأهلها والغنم بركة و الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة . وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى عليه وسلم :" الشاة من دواب الجنة " . وفيه عن أبي هريرة قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج . وقال عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك التراب ، وفيه عن أم هانئ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : اتخذي غنما فإن فيها بركة . أخرجه عن أبي بكر بن شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ ، إسناد صحيح .
التاسعة : وقوله تعالى : والحرث ، الحرث هنا اسم لكل ما يحرث وهو مصدر سمي به ، تقول : حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض بمعنى الفلاح ، فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة . وفي الحديث : أحرث لدنياك كأنك تعيش أبدا . يقال حرثت واحترثت . وفي حديث عبد الله احرثوا هذا القرآن ، أي فتشوه . قال ابن الأعرابي : الحرث التفتيش ، وفي الحديث : أصدق الأسماء الحارث لأن الحرث هو الكاسب ، واحتراث المال كسبه ، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس ، والجمع أحرثة ، وأحرث الرجل ناقته أهزلها . وفي حديث معاوية : ما فعلت نواضحكم ، قالوا حرثناها يوم بدر . قال أبو عبيد : يعنون هزلناها ، يقال حرثت الدابة وأحرثتها ، لغتان . وفي صحيح البخاري عن ابن أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا يدخل هذا البيت قوم إلا دخله الذل " . قيل : إن الذل هنا مايلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة و السلاطين . وقال المهلب : معنى قوله في هذا الحديث والله أعلم : الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات ، وذلك لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل و الجهاد في سبيل الله ، لأنهم اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها ، فخصم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة . ألا ترى أن عمر قال : تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل . فأمرهم بملازمة الخيل ، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها . وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " .
قال العلماء : ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال ، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس ، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار ، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك ، وأما الأغنام فيتمول بها أهل البوادي ، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق فتكون فتنة كل صنف من النوع الذي يتمول ، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع .
العاشرة : قوله تعالى : " ذلك متاع الحياة الدنيا " أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى . وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة . روى ابن ماجة وغيره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما متاع الدنيا وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة صالحة " .
وفي الحديث : " زاهد في الدنيا يحبك الله " أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري .
قال صلى الله عليه وسلم : " ليس لابن آدم حق في سور هذه الخصال : بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والمال " أخرجه الترمذي من حديث عثمان بن عفان . وسئل سهل بن عبد الله : بما يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات قال : " بتشاغله بما أمر به " .
الحادية عشرة : قوله تعالى : " والله عنده حسن المآب " ابتداء وخبر . والمآب المرجع ، آب يؤوب إيابا إذا رجع ، قال أمرؤ القيس :
وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر :
وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
وأصل مآب مأوب ، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف ، مثل مقال . ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة .
استمع الى القرآن الكريم
اتجاه القبلة (اضغط هنا لتكبير الخريطة)
| موقعك | ||||
| خط العرض: | خط الطول: | |||
| موقع القبلة | ||||
| الدرجات: | المسافة: ميل | |||
الرابط:
مطربين أ - ب - ت - ث - ج - ح - خ - د - ذ - ر - ز - س - ش - ص - ض - ط - ظ - ع - غ - ف - ق - ك - ل - م - ن - هـ - و - ي
© ListenArabic.com 2006-2012. جميع الحقوق محفوظة
عربي
English
Francais
Español
Deutsch
Italiano
Portugues
Svenska
Indonesia
Dansk
Norsk
Suomi
Türkçe
فارسی
Ελληνικά
Nederlands
Polski
Русский
日本
中文
