ListenArabic
تفسير آية 3:159 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ}
تفسير آية 3:159
( ما ) صلة فيها معنى التأكيد ، أي فبرحمة ، كقوله : " عما قليل " " فبما نقضهم ميثاقهم " " جند ما هنالك مهزوم " وليست بزائدة على الإطلاق ، وإنما أطلق عليها سيبويه معنى الزيادة من حيث زال عملها ، ابن كيسان : ( ما ) نكرة في موضع جر بالباء و " رحمة " بدل منها ، ومعنى الآية : أنه عليه السلام لما رفق بمن تولى يوم أحد ولم يعنفهم بين الرب تعالى أنه فعل ذلك بتوفيق الله تعالى إياه ، وقيل : ( ما ) استفهام ، والمعنى : فبأي رحمة من الله لنت لهم ، فهو تعجيب ، وفيه بعد ، لأنه لو كان كذلك لكان ( فبم ) بغير ألف " لنت " من لان يلين ولياناً بالفتح ، والفظ الغليظ الجافي .
فظظت تفظ فظاظة وفظاظاً فأنت فظ ، والأنثى فظة والجمع أفظاظ ، وفي صفة النبي عليه السلام : ( وليس بفظ ولا غليط ولا صخاب في الأسواق ) وأنشد المفضل في المذكر :
وليس بفظ في الأداني والأولى يؤمون جدواه ولكنه سهل
وفظ على أعدائه يحذرونه فسطوته حتف ونائله جزل
وقال آخر في المؤنث :
أموت من الضر في منزلي وغيري يموت من الكظه
ودنيا تجود على الجاهليـ ـن وهي على ذي النهى فظه
وغلظ القلب عبارة عن تجهم الوجه ، وقلة الانفعال في الرغائب ، وقلة الإشفاق والرحمة ، ومن ذلك قول الشاعر :
يبكي علينا ولا نبكي على أحد لنحن أغلظ أكباداً من الإبل
ومعنى " لانفضوا " لتفرقوا ، فضضتهم فانفضوا ، أي فرقتهم فتقرقوا ، ومن ذلك قول أبي النجم يصف إبلاً :
مستعجلات القيض غير جرد ينفض عنهن الحصى بالصمد
وأصل الفض الكسر ، ومنه قولهم : لا يفضض الله فاك ، والمعنى : يا محمد لولا رفقك لمنعهم الاحتشام والهيبة من القرب منك بعد ما كان من توليهم .
قوله تعالى : " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " فيه ثمان مسائل .
الأولى : قال العلماء : أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الأوامر التي هي بتدريج بليغ ، وذلك أنه أمره بأن يعفو عنهم ما له في خاصته عليهم من تبعة ، فلما صاروا في هذه الدرجة أمره أن يستغفر فيما لله عليهم من تبعة أيضاً ، فإذا صاروا في هذه الدرجة صاروا أهلاً للاستشارة في الأمور ، قال أهل اللغة ، الاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجري أو غيره ، ويقال للموضع الذي تركض فيه : مشوار ، وقد يكون من قولهم : شرت العسل واشترته فهو مشور ومشتار إذا أخذته من موضعه ، قال عدي بن زيد :
في سماع يأذن الشيخ له وحديث مثل ماذي مشار
الثانية : قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، هذا ما لا خلاف فيه ، وقد مدح الله المؤمنين بقوله : " وأمرهم شورى بينهم " [ الشورى : 38 ] ، قال أعرابي : ما غبنت قط حتى يغبن قومي ، قيل : وكيف ذلك ؟ قال لا أفعل شيئاً حتى أشاورهم وقال ابن خويز منداد : واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها وكان يقال : ما ندم من استشار وكان يقال : من أعجب برأيه ضل .
الثالثة : قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي ، فإن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك ، واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه عليه السلام أن يشاور فيه أصحابه ، فقالت طائفة : ذلك في مكائد الحروب ، وعند لقاء العدو ، وتطييباً لنفوسهم ، ورفعاً لأقدارهم ، وتألفاً على دينهم ، وإن كان الله تعالى قد أغناه عن رأيهم بوحيه ، روي هذا عن قتادة و الربيع و ابن إسحاق و الشافعي ، قال الشافعي : هو كقوله : والبكر تستأمر ، تطيباً لقلبها ، لا أنه واجب ، وقال مقاتل و قتادة و الربيع : كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق عليهم ، فأمر الله تعالى ، نبيه عليه السلام أن يشاورهم في الأمر : فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم ، وأطيب لنفوسهم ، فإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم ، وقال آخرون : ذلك فيما لم يأته فيه وحي ، روي ذلك عن الحسن البصري و الضحاك قالا : ما أمر الله تعالى نبيه بالمشاورة لحاجة منه إلى رأيهم ، وإنما أراد أن يعلمهم ما في المشاورة من الفضل ، ولتقتدي به أمته من بعده ، وفي قراءة ابن عباس : ( وشاورهم في بعض الأمر ) ولقد أحسن القائل :
شاور صديقك في الخفي المشكل واقبل نصيحة ناصح متفضل
فالله قد أوصى بذاك نبيه في قوله : ( شاورهم ) و ( توكل )
الرابعة : جاء في مصنف أبي داود عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المستشار مؤتمن " ، قال العلماء : وصفة المستشار إن كان في الأحكام أن يكون عالماً ديناً ، وقلما يكون ذلك إلا في عاقل ، قال الحسن : ما كمل دين امرئ ما لم يكمل عقله ، فإذا استشير من هذه صفته واجتهد في الصلاح وبذل جهده فوقعت الإشارة خطأ فلا غرامة عليه ، قاله الخطابي وغيره :
الخامسة : وصفة المستشار في أمور الدنيا أن يكون عاقلاً مجرباً واداً في المستشير قال :
شاور صديقك في الخفي المشكل
وقد تقدم ، وقال آخر :
وإن باب أمر عليك التوى فشاور لبيباً ولا تعصه
في أبيات ، والشورى بركة ، وقال عليه السلام : " ما ندم من استشار ولا خاب من استخار "، وروى سهل بن سعد الساعدي " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شقي قط عبد بمشورة وما سعد باستغناء رأي " ، وقال بعضهم : شاور من جرب الأمور ، فإنه يعطيك من رأيه ما وقع عليه غالباً وأنت تأخذه مجاناً ، وقد جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة ، وهي أعظم النوازل شورى ، قال البخاري : وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، وقال سفيان الثوري : ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ، ومن يخشى الله تعالى ، وقال الحسن : والله ما تشاور قوم بينهم إلا هداهم لأفضل ما يحضر بهم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلا خير لهم " .
السادسة : والشورى مبنية على اختلاف الآراء ، والمستشير ينظر في ذلك الخلاف وينظر أقربها قولاً إلى الكتاب إن أمكنه ، فإذا أرشده الله تعالى إلى ما شاء منه عزم عليه وأنفذه متوكلاً عليه ، إذ هذه غاية الاجتهاد المطلوب ، وبهذا أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية .
السابعة : قوله تعالى : " فإذا عزمت فتوكل على الله " قال قتادة : أمر الله تعالى نبيه عليه السلام إذا عزم على أمر أن يمضي فيه ويتوكل على الله ، لا على مشاورتهم ،والعزم هو الأمر المروي المنقح ، وليس ركوب الرأي دون روية عزماً ، إلا على مقطع المشيحين من فتاك العرب ، كما قال :
إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ونكب عن ذكر العواقب جانبا
ولم يستشر في رأيه غير نفسه ولم يرض إلا قائم السيف صاحبا
وقال النقاش : العزم والحزم واحد ، والحاء مبدلة من العين ، قال ابن عطية : وهذا خطأ ، فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه ، والعزم قصد الإمضاء ، والله تعالى يقول : " وشاورهم في الأمر فإذا عزمت " فالمشاورة وما كان في معناها هو الحزم ، والعرب تقول : قد أحزم لو أعزم ، وقرأ جعفر الصادق و جابر بن زيد : ( فإذا عزمت ) بضم التاء ، نسب العزم إلى نفسه سبحانه إذ هو بهدايته وتوفيقه ، كما قال : " وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " [ الأنفال : 17 ] ، ومعنى الكلام أي عزمت لك ووفقتك وأرشدتك " فتوكل على الله " والباقون بفتح التاء ، قال المهلب ، وامتثل هذا النبي صلى الله عليه وسلم من أمر ربه فقال : " لا ينبغي لنبي يلبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله "، أي ليس ينبغي له إذا عزم أن ينصرف ، لأنه نقض للتوكل الذي شرطه الله عز وجل مع العزيمة ، ، فلبس لأمته حين أشار عليه بالخروج يوم أحد من أكرمه الله بالشهادة فيه ، وهم صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر : يا رسول الله أخرج بنا إلى عدونا ، دال على العزيمة وكان صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود ، وكذلك عبد الله بن أبي أشار بذلك وقال : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس ، فإن هم أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السكك ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام ، فوالله ما حاربنا قط عدو في المدينة إلا غلبناه ، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا ، وأبى هذا الرأي من ذكرنا ، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه ، فندم أولئك القوم وقالوا : أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج عليهم في صلاحه قالوا : يا رسول الله ، أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا بنبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل " .
الثامنة : قوله تعالى : " فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " التوكل : الاعتماد على الله مع إظهار العجز ، والاسم التكلان ، يقال منه : اتكلت عليه في أمري ، وأصله : ( أوتكلت ) قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال ، ويقال : وكلته بأمري توكيلاً ، والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها .
واختلف العلماء في التوكل ، فقالت طائفة من المتصوفة : لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره ، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى ، وقال عامة الفقهاء ، ما تقدم ذكره عند قوله تعالى : " وعلى الله فليتوكل المؤمنون " وهو الصحيح كما بيناه ، وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله : " لا تخافا " [ طه : 46 ] ، وقال : " فأوجس في نفسه خيفة موسى * قلنا لا تخف " [ طه : 67 - 68 ] ، وأخبر عن إبراهيم بقوله : " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " [ هود : 70 ] ، فإذا كان الخليل وموسى الكليم قد خافا وحسبك بهما فغيرهما أولى ، وسيأتي بيان هذا المعنى .
استمع الى القرآن الكريم
اتجاه القبلة (اضغط هنا لتكبير الخريطة)
| موقعك | ||||
| خط العرض: | خط الطول: | |||
| موقع القبلة | ||||
| الدرجات: | المسافة: ميل | |||
الرابط:
عربي
English
Francais
Español
Deutsch
Italiano
Portugues
Svenska
Indonesia
Dansk
Norsk
Suomi
Türkçe
فارسی
Ελληνικά
Nederlands
Polski
Русский
日本
中文
