ListenArabic
تفسير آية 5:6 القرآن الكريم عربي - ListenArabic.com
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ
أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}
تفسير آية 5:6
فيه اثنتان وثلاثون مسئلة:
الأولى - ذكر القشيري وابن عطية أن هذه الآية نزلت في قصة عائشة حين فقدت العقد في غزوة المريسيع وهي آية الوضوء قال ابن عطية: لكن من حيث كان الوضوء متقرراً عندهم مستعملاً فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم الفائدة والرخصة في التيمم . وقد ذكرنا في الآية النساء خلاف هذا، والله أعلم ومضمون هذه الآية داخل فيما أمر به من الوفاء بالعقود وأحكام الشرع، وفيما ذكر من إتمام النعمة فإن هذه الرخصة من إتمام النعم .
الثانية- واختلف العلماء في المعنى المراد بقوله:" إذا قمتم إلى الصلاة " على أقوال، فقالت طائفة : هذا لفظ عام في كل قيام إلى الصلاة سواء كان القائم متطهراً أو محدثاً فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وكان علي يفعله ويتلوا هذه الآية ذكره أبو محمد الدارمي وفي مسنده وروى مثله عن عكرمة وقال ابن سيرين: كان الخلفاء لكل صلاة .
قلت: فالآية على هذا محكمة لا نسخ فيها وقالت طائفة: الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم "قال عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيل .
إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء" إلا من حدث وقال عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه وهو أن الصحابة وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك :
نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان لا يعمل عملاً إلا وهو على وضوء ولا يكلم أحداً ولا يرد سلاماً إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه الآية أن الوضوء إنما هو للقيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال وقالت طائفة: المراد بالآية الوضوء لكل صلاة طلباً للفضل، وحملوا الأمر على الندب وكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر يتوضئون لكل صلاة طلباً للفضل، وكان عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء واحد ، إرادة البيان لأمته صلى الله عليه وسلم .
قلت: وظاهر هذه القول أن الوضوء لكل صلاة قبل ورود الناسخ كان مستحباً لا إيجاباً وليس كذلك فإن الأمر إذا ورد مقتضاه الوجوب لا سيما عند الصحابة رضوان الله عليهم على ما هو معروف من سيرتهم ، وقال آخرون: إن الفرض في كل وضوء كان لكل صلاة ثم نسخ في فتح مكة وهذا غلط لحديث أنس قال :
"كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة" وأن أمته كانت على خلاف ذلك وسيأتي ولحديث سويد بن النعمان "أن النبي صلى الله عليه وسلم :صلى وهو بالصهباء العصر والمغرب بوضوء واحد وذلك في غزوة خيبر"، وهي سنة ست وقيل: سنة سبع وفتح كما في سنة ثمان وهو حديث صحيح رواه ملك في موطئه وأخرجه البخاري ومسلم فبان بهذين الحديثين أن الفرض لم يكن قبل الفتح لكل صلاة فإن قيل: فقد روى مسلم "عن بريدة بن الحصيب :
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد، ومسح على خفيه" فقال عمر رضي الله عنه : لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه فقال: عمداً صنعته يا عمر فلم سأله عمر واستفهمه ؟ قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته صلاته بخيبر والله أعلم ، وروي الترمذي "عن أنس :
أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، قال حميد : قلت لأنس : وكيف كنتم تصنعون أنت ؟ قال : كنا نتوضأ وضوءاً واحداً "قال : حديث حسن صحيح و"روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
الوضوء على الوضوء نور " فكن عليه السلام يتوضأ مجدداً لكل صلاة وقد "سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال :
إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " رواه الدارقطني وقال السدي وزيد بن أسلم معنى الآية : " إذا قمتم إلى الصلاة " يريد من المضاجع يعني النوم والقصد بهذا التأويل أن يعم الأحداث بالذكر ولاسيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير، التقدير: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة " من النوم " أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء" يعين الملامسة الصغرى فاغسلوا فتمت أحكام المحدث حدثاً أصغر ثم قال : " وإن كنتم جنبا فاطهروا " فهذا حكم نوع آخر ثم قال النوعين جميعاً "وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا" وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير بل ترتب في الآية حكمم واجد الماء إلى قوله :" فاطهروا " ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين ثم ذكر بعد قوله :" وإن كنتم جنبا فاطهروا " حكم عادم الماء من النوعين جميعاً وكانت الملامسة هي الجماع ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد وهذا تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري وغيرهم .
قلت: وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية والله أعلم ومعنى " إذا قمتم " إذا أردتم كما قال تعالى :" فإذا قرأت القرآن فاستعذ " [ النحل: 98] أي إذا أردت لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن .
الثالثة -قوله تعالى :" فاغسلوا وجوهكم " ذكر تعالى أربعة أعضاء : الوجه وفرضه الغسل واليدين كذلك والرأس وفرضه السمح اتفاقاً واختلف في الرجلين على ما يأتي لم يذكر سواها فدل ذلك على أن ما عداها آداب وسنن، والله أعلم ولا بد في غسل الوجه من نقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا، وقد بيناه في النساء وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء وليس عليه دلك بيده ولا شك أنه إذا انغمس الرجل في الماء وغمس وجهه أو يده ولم يدلك يقال : غسل وجهه ويده، ومعلوم أنه لا يعتبر في ذلك غير حصول الاسم فإذا حصل كفى والوجه في اللغة مأخوذ من الموجهة، وهو عضة مشتمل على أعضاء وله طول وعرض فحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين ومن الأذن إلى الأذن في العرض وهذا في الأمرد، وأما الملتحي فإذا اكتسى الذقن بالشعر فلا يخلو أن يكون خفيفاً أو كثيفاً فإن كان الأول بحيث تبين منه البشرة فلا بد من إيصال الماء إليها وإن كان كثيفاً فقد انتقل الفرض إليه كشعر الرأس،كشعر الرأس، ثم ما زاد على الذقن من العشر واسترسل من اللحية فقال سحنون عن ابن القاسم: سمعت مالكاً سئل : هل سمعت بعض أهل العلم يقول إن اللحية من الوجه فليمر عليها الماء ؟ قال : نعم وتخليلها في الوضوء ليس من أمر الناس وعاب ذلك على من فعله وذكر ابن القاسم أيضاً عن مالك قال : يحرك المتوضئ ظاهر لحيته من غير أن يدخل يده فيها ، قال : وهي مثل أصابع الرجلين، قال ابن عبد الحكم: تخليل اللحية واجب في الوضوء والغسل قال أبو عمر: .
"روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلل لحيته في الوضوء" من وجوه كلها ضعيفة وذكر ابن خويز منداد: أن الفقهاء اتفقوا على أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء إلا شيء روي عن سعيد بن جبير قوله : ما بال الرجل يغسل لحيته قبل أن تنبت فإذا نبتت لم يغسلها وما بال الأمرد يغسل ذقنه ولا يغسله ذو اللحية، قال الطحاوي: التيمم واجب فيه مسح البشرة قبل نبات الشعر في الوجه ثم سقط بعده عند جمعيهم فكذلك الوضوء قال أبو عمر من جعل غسل اللحية كلها واجباً جعلها وجهاً لأن الوجه مأخوذ من المواجهة، والله قد أمر بغسل الوجه أمراً مطلقاً لم يخص صاحب لحية من أمرد فوجب غسلها بظاهر القرآن لأنها بدل من البشرة.
قلت: واختار هذا القول ابن العربي وقال : وبه أقول لما "روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغسل لحيته" خرجه الترمذي وغيره فعين المحتمل بالفعل وحكي ابن المنذر عن إسحاق أن من ترك تخليل لحيته عامداً أعاد وروي الترمذي عن عثمان بن عفان "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته" قال : هذا حديث حسن صحيح قال أبو عمر ومن لم يوجب غسل ما انسدل من اللحية ذهب إلى أن الأصل المأمور بغسله البشرة، فوجب غسل ما ظهر فوق البشرة، وما انسدل من اللحية ليس تحته ما يلزم غسله فيكون غسل اللحية بدلاً منه واختلفوا أيضاً في غسل ما وراء العذار إلى الأذن فروى ابن وهب عن مالك قال : ليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الذقن من الوجه، قال أبو عمر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار قال بما رواه ابن وهب عن مالك ، وقال أبو حنيفة وأصحابه: البياض بني العذار والأذن من الوجه، وغسله واجب، ونحو قال الشافعي وأحمد: وقيل: يغسل البياض استحباباً قال ابن العربي: والصحيح عندي أنه لا يلزم غسله إلا للأمرد لا للمعذر.
قلت: وهو اختيار القاضي عبد الوهاب، وسبب الخلاف هل تقع عليه المواجهة أم لا والله أعلم وبسبب هذا الاحتمال اختلفوا هل يتناول الأمر بغسل الوجه باطن الأنف والفم أم لا ؟ فذهب أحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهما إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل إلا أن أحمد قال : يعيد من ترك الاستنشاق في وضوئه ولا يعيد من ترك المضمضة وقال عامة الفقهاء هما سنتان في الوضوء والغسل لأن الأمر إنما يتناول الظاهر دون الباطن والعرب لا تسمي وجهاً إلا ما وقعت به المواجهة، ثم إن الله لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما المسلمون ولا اتفق الجميع عليه والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه وقد مضى هذا المعنى في النساء وأما العينان فالناس كلهم مجمعون على أن داخل العينين لا يلزم غسله، إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه وإنما سقط غسلهما للتأذي بذلك والحرج به قال ابن العربي: وذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا يتأذى بذلك وإذا تقرر من حكم الوجه فلا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد، كما لا بد على القول بوجوب عموم الرأس من مسح جزء معه من الوجه لا يتقدر، وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه وهو أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب مثله والله أعلم .
الرابعة - وجمهور العلماء على أن الوضوء لا بد فيه من نية ، "لقوله عليه السلام
إنما الأعمال بالنيات " قال البخاري : فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة والحج والصوم والأحكام وقال الله تعالى :" قل كل يعمل على شاكلته " [ الإسراء: 84] يعني على نيته و"قال النبي صلى الله عليه وسلم :
ولكن جهاد ونية " وقال كثير من الشافعية: لا حاجة إلى نية ، وهو قول الحنفية وقالوا: لا تجب النية إلا في الفروض التي هي مقصودة لأعيانها ولم تجعل سبباً لغيرها ، فأما ما كان شرطاً لصحة فعل آخر فليس يجب ذلك فيه بنفس ورود الأمر إلا بدلالة تقارنه والطهارة شرط فإن من لا صلاة عليه لا يجب عليه فرض الطهارة كالحائض والنفساء واحتج علماؤنا وبعض الشافعية بقوله تعالى :" إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " فلما وجب فعل الغسل كانت النية شرطاً في صحة الفعل، لأن الفرض من قبل الله تعالى فينبغي أن يجب فعل ما أمر الله به، فإذا قلنا: إن النية لا تجب عليه لم تجب عليه القصد إلى فعل ما أمره الله تعالى ، ومعلوم أن الذي اغتسلوا تبرداً أو لغرض ما قصد أداء الواجب وصح في الحديث أن الوضوء يكفر فلو صح بغير نية لما كفر وقال تعالى :" وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين " [ البينة :5]
الخامسة -قال ابن العربي قال بعض علمائنا: إن من خرج إلى النهر بنية الغسل أجزأه وإن عزبت نيته في الطريق ولو خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت النية قال القاضي أبو بكر بن العربي رضي الله عنه : فركب على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين، وأوردوا فيها نصاً عمن لا يفرق بين الطن واليقين بأنه قال: يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير، ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء وقد اختلف فيها قول مالك، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها وهي أصل مقصود فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه هل هذا إلا غاية الغباوة ؟ وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه:
السادسة - قوله تعالى :" وأيديكم إلى المرافق " واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد فقال قوم: نعم لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه، قاله سيبويه وغيره وقد مضى هذا في البقرة مبيناً وقيل: لا يدخل المرفقان في الغسل والروايتان مرويتان عن مالك الثانية لأشهب والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح لما رواه الدارقطني "عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم.
كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه" وقد قال بعضهم: إن إلى بمعنى مع كقولهم الذود إلى الذود إبل، أي مع الذود وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في النساء ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ فالمرفق داخل تحت اسم اليد فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد، فما قال : إلى اقتطع من حد المرافق عن الغسل وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر، وهذا كلام صحيح يجري على الأصل لغة ومعنى قال ابن العربي: وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله إلى المرافق حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيهما ولذلك تدخل المرافق في الغسل .
قلت: ولما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا "كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول:
تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " قال القاضي عياض والناس مجمعون على خالف هذا وألا يتعدى بالوضوء حدوده "لقوله عليه السلام:
فمن زاد فقد تعدى وظلم " وقال غيره: كان هذا الفعل مذهباً له ومما انفرد به ولم يحكه عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما استنبطه من "قوله عليه السلام :
أنتم الغر المحجلون " ومن قوله : "تبلغ الحلية " كما ذكر .
السابعة - قوله تعالى :" وامسحوا برؤوسكم " تقدم في النساء أن المسح لفظ مشترك وأما الرأس فهو عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة ومنها الوجه، فلما ذكره الله عز وجل في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح، ولو لم يذكر الغسل للزم مسح جميعه ما عليه شعر من الرأس وما فيه العينان والأنف و الفم وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه فإنه
سئل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء فقال: أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه؟ ووضح بهذا الذي ذكرناه أن الأذنين من الرأس وأن حكمهما حكم الرأس خلافاً للزهري حيث قال : هما من الوجه يغسلان معه، وخلافاً للشعبي حيث قال : ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس وهو قول الحسن وإسحاق وحكاه ابن أبي هريرة عن الشافعي ، وسيأتي بيان حجتهما وإنما سمي الرأس رأساً لعلوه ونبات الشعر فيه ومنه رأس الجبل وإنما قلنا إن الرأس اسم لجملة أعضاء لقول الشاعر:
إذا احتملوا رأسي وفي الرأس أكثري وغودر عند الملتقى ثم سائري
الثامنة - واختلف العلماء في تقدير مسحه على أحد عشر قولاً ثلاثة لأبي حنيفة، وقولان للشافعي وستة أقوال لعلمائنا، الصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم لما ذكرنا وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه، والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض والمعنى وامسحوا رؤوسكم وقيل: دخولها هنا كدخولها في التيمم في قوله :" فامسحوا بوجوهكم " فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع وهذا قاطع وقيل: إنما دخلت لتقيد معنى بديعاً وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولاً به، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحاً به فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد إمراراً من غير شيء على الرأس، فدخلت الباء لتفيد ممسوحاً به وهو الماء فكأنه قال : وامسحوا برؤوسكم الماء، وذلك فصبح في اللغة على وجهين: إما على القلب كما أنشد سيبويه:
كنواح ريش حمامة بخدية ومسحت باللثين عصف الإثمد
واللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب: وإما على الاشتراط فل الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر.
مثل القناقد هداجون قد بلغت نجران أو بلغت سوءاتهم هجر
فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء، وقال الشافعي: احتمل قول الله تعالى : " وامسحوا برؤوسكم " بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ وهو "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته"، وقال في موضع آخر: فإن قيل قد قال الله عز وجل "فامسحوا بوجوهكم " في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ومسح الرأس أصل فهذا فرق ما نبيهما أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الأعذار وموضع الاستعجال والاختصار وحذف كثير من الفرائض لأجل المشتقات والأخطار، ثم هو لم يكتف بالناصية .
حتى مسح على العمامة، أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجباً لما مسح على العمامة والله أعلم .
التاسعة - وجمهور العلماء على أن مسحه واحدة موعبة كاملة تجزئ، وقال الشافعي: يسمح رأسه ثلاثاً وروي عن أنس وسعيد بن جبير وعطاء وكان ابن سيرين يمسح مرتين قال أبو داود: وأحاديث .
عثمان الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً قالوا فيها: ومسح برأسه ولم يذكروا عدداً .
العاشرة - واختلفوا من أين يبدأ بسمح فقال مالك :
يبدأ بمقدم رأسه، ثم يذهب بيديه إلى مؤخرة ثم يردهما إلى مقدمه على حديث عبد الله بن زيد أخرجه مسلم ، وبه يقول الشافعي وابن حنبل وكان الحسن بن حي يقول : يبدأ بمؤخر الرأس على حديث الربيع بنت معوذ بن عفراء وهو حديث يختلف في ألفاظه وهو يدور على عبد الله بن محمد بن عقيل وليس بالحافظ عندهم أخرجه أبو داود بشر بن المفضل عن عبد الله عن الربيع ، ورو بن عجلان عنه عن الربيع .
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ عندها فمسح الرأس كله من قرن الشعر كل ناحية بمنصب الشعر لا يحرك الشعر عن هيئته ورويت هذه الصفة عن ابن عمر وأنه كان يبدأ من وسط رأسه وأصح ما في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد وكل من أجاز بعض الرأس فإنما يرى ذلك البعض في مقدم الرأس، وروي عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا: أي نواحي رأسك مسحت أجزأ عنك ومسح ابن عمر اليافوخ فقد والإجماع منعقد على استحسان المسح باليدين معا وعلى الأجزاء إن مسح بيد واحدة، واختلف فيمن مسح بإصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس، فالمشهور أن ذلك يجزئ وهو قول سفيان الثوري قال سفيان : إن مسح رأسه بإصبع واحدة أجزأه وقيل : إن ذلك لا يجزئ لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون ذلك عن ضرورة مرض فينبغي ألا يختلف في الأجزاء قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يجزئ مسح الرأس بأقل من ثلاث أصابع ، واختلفوا في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أو سنة -بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن- فالجمهور على أنه سنة وقيل : هو فرض .
الحادية عشرة - فلو غسل متوضئ رأسه بدل المسح فقال ابن العربي: لا نعلم خلافاً أن ذك يجزئه إلا ما أخبرنا الإمام فخر الإسلام الشاشي في الدرس عن أبي العباس ابن القاص من أصحابهم قال : لا يجزئه وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة الذي ذمة الله في قوله :" يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا "[ الروم : 7] وقال تعالى :" أم بظاهر من القول " [ الرعد : 33] وإلا فقد جاء هذا الغاسل بما أمر وزيادة فإن قيل: هذه الزيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل وكذلك لو سمح رأسه ثم حلقه لم يكن عليه إعادة المسح .
الثانية عشرة -وأما الأذنان فهما من الرأس عند مالك وأحمد والثوري وأبي حنيفة وغيرهم ثم اختلفوا في تجديد الماء فقال مالك وأحمد: يستأنف لهما ماء جديداً سوى الماء الذي مسح به الرأس به على ما فعل ابن عمر وهكذا قال الشافعي في تجديد الماء وقال : هما سنة على حالهما لا من الوجه ولا من الرأس، لاتفاق العلماء على أنه لا يحلق ما عليهما من الشعر في الحج، وقول أبي ثور في هذا كقول الشافعي وقال الثوري وأبو حنيفة: يمسحان مع الرأس بماء واحد وروي عن جماعة من السلف مثل هذا القول من الصحابة والتابعين وقال داود : إن سمح أذنيه فحسن وإلا فلا شيء عليه إذ ليستا مذكورتين في القرآن قيل له : اسم الرأس وتضمنهما كما بيناه وقد جاءت الأحاديث الصحيحة في كتاب النسائي وأبي داود وغيرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح ظهرهما وباطنهما وأدخل أصابعه في صماخيه وإنما يدل عدم ذكرهما من الكتاب على أنهما ليستا بفرض كغسل الوجه واليدين، وثبتت سنة مسحهما بالسنة وأهل العلم يكرهون للمتوضئ ترك مسح أذنيه ويجعلونه تارك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يوجبون عليه إعادة إلا إسحاق فإنه قال : إن ترك مسح أذنيه لم يجزه وقال أحمد: إن تركهما عمداً أحببت أن يعيد وروي عن علي بن زياد من أصحاب مالك أنه قال : من ترك سنة من سنن الوضوء أو الصلاة عامداً أعاد وهذا عند الفقهاء ضعيف وليس لقائله سلف ولا له حظ من النظر ولو كان كذلك لم يعرف الفرض الواجب من غيره والله أعلم احتج من قال : هما من الوجه بما ثبتت "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده .
سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره "فأضاف السمع إلى الوجه فثبت أن يكون لهما حكم الوجه، وفي مصنف أبي داود من حديث عثمان :
فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة ثم غسل رجليه ثم قال : أين السائلون عن الوضوء هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ احتج من قال : يغسل ظاهرهما مع الوجه وباطنهما يمسح مع الرأس بأن الله عز وجل قد أمر بغسل الوجه وأمر بمسح الرأس فما واجهك من الأذنين وجب غسله لأنه من الوجه وما لم يواجهك وجب مسحه لأنه من الرأس وهذا ترده الآثار بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمسح ظاهر أذنيه وباطنهما من حديث علي وعثمان وابن عباس والربيع وغيرهم، احتج من قال : هما من الرأس بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث النصابجي :
"فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه" الحديث أخرجه مالك.
الثالثة عشرة - قوله تعالى :" وأرجلكم " قرأ نافع ابن عامر والكسائي وأرجلكم بالنصب وروي الوليد بن مسلم عن نافع أنه قرأ وأرجلكم بالرفع وهي قراءة الحسن والأعمش سليمان وقرأ ابن كثير وأبو عمروا وحمزة وأرجلكم الخفض وبحسب هذه القراءات اختلف الصحابة والتابعون فمن قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم واللازم من قوله في غير ما حديث وقد رأى قوماً يتوضئون وأعاقبهم تلوح فنادى بأعلى صوته .
"ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء " ثم أن الله حدهما فقال : "إلى الكعبين " كما قال في اليدين " إلى المرافق " فدل على وجوب غسلهما والله أعلم ومن قرأن بالخفض جعل العامل الباء قال ابن العربي: اتفقت العلماء على وجوب غسلهما وما علمت من ورد ذلك سوى الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم وتعلق الطبري بقراءة الخفض .
قلت: قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان وروى أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجكم فإنه ليس شي من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك انس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى :" وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " قال: وكان إذا مسح رجليه بلهما وروى عن ابن أنس أيضاً أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة بمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالسمح ألا ترى أن التيمم يسمح فيه ما كان غسلاً ويلغى ما كان مسحاً وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين وقال النحاس ومن أحسن ما قيل فيه : أن المسح والغسل واجبان جميعاً فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب والقراءتان بمنزلة آيتين، قال ابن عطية: وذهب قول ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل .
قلت :وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلاً ويكن مسحاً ومنه يقال : للرجل إذا توضأ فغسل أعضاءه، قد تمسح ويقال: مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون معنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل، بقراءة النصب التي لا احتمال فيها وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على أنه مفعول قبل الرجلين التقدير: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم فلما كان الرأس مفعولاً قبل الرجلين قدم عليهما في التلاوة والله أعلم - لا أنهما مشتركان مع الرأس لتقدمه عليهما في صفة التطهير وقد روى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: قرأ الحسن والحسين رحمة الله عليهما - على وأرجلكم فسمع علي ذلك وكان يقضي بين الناس فقال : " وأرجلكم " هذا من المقدم والمؤخر من الكلام وروي أبو إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه قال : اغسلوا الأقدام إلى الكعبين وكذا روى عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرأ وأرجلكم بالنصب وقد قيل : إن الخفض في الرجلين إنما جاء مقيداً لمسحهما لكن إذا عليهما خفان،وتلقينا هذا القيد من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يصح عنه أنه مسح رجليه إلا وعليهما خفان فبين صلى الله عليه وسلم بفعله الحال التي تغسل فيه الرجل والحال التي تسمح فيه، وهذا حسن: فإن قيل: إن المسح على الخفين منسوخ بسورة المائدة وقد قاله ابن عباس ورد المسح أبو هريرة وعائشة وأنكره مالك في رواية عنه فالجواب أن من نفى شيئاً وأثبته غيره فلا حجة للنافي وقد أثبت المسح على الخفين عدد كثير من الصحابة وغيرهم وقد قال الحسن: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم مسحوا على الخفين وقد ثبت بالنقل الصحيح عن همام قال : بال جرير ثم توضأ وسمح على خفيه ، قال جرير:
و"إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه "قال إبراهيم النخعي كان يعجبهم هذا الحديث لأن إسلام جرير كان بعد نزو المائدة وهذا نص يرد ما ذكروه وما احتجوا به من رواية الواقدي عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه أن جريراً أسلم في ستة عشر من شهر رمضان وأن المائدة نزلت في ذي الحجة يوم عرفات ، وهذا حديث لا يثبت لوهاه، وإنما نزل منها يوم عرفة " اليوم أكملت لكم دينكم " على ما تقدم قال أحمد بن حنبل: أنا أستحسن حديث جرير في المسح على الخفين، لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة وأما ما روي عن أبي هريرة وعائشة رضي الله عنهما فلا يصح ، أما عائشة فلم يكن عندها بذلك علم ولذلك ردت السائل إلى علي رضي الله عنه وأحالته عليه فقال :
سلة فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وأما مالك فما روي عنه من الإنكار فهو منكر لا يصح والصحيح ما قاله عند موته لابن نافع قال: إني كنت آخذ في خاصة نفسي بالطهور ولا أرى من مسح مقصراً فيما يجب عليه وعلى هذا حمل أحمد ابن حنبل ما رواه ابن وهب عنه أنه قال : لا أمسح في حضر ولا سفر قال أحمد كما روى عن ابن عمر أنه أمرهم أن يمسحوا خفافهم وخلع وهو وتوضأ وقال حبب إلي الوضوء ونحوه عن أبي أيوب: وقال أحمد رضي الله عنه : فمن ترك ذلك على نحو ما تركه ابن عمر وأبي أيوب ومالك لم أنكره عليه وصلينا خلفه ولم نعبه، إلا أن يترك ذلك ولا يراه كما صنع أهل البدع فلا يصلى خلفه والله أعلم وقد قيل: إن قوله : وأرجلكم معطوف على اللفظ دون المعنى، وهذا أيضاً يدل على الغسل فإن المراعى المعنى لا اللفظ، وإنما خفض للجوار كما تفعل العرب وقد جاء هذا في القرآن وغيره قال الله تعالى:" يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس"[الرحمن : 35] بالجر لأن النحاس الدخان وقال : " بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ " [البروج : 21-22] بالجر قال : امرؤ القيس :
كبير أناس في بجاد مزمل
فخفض مزمل بالجوار وأن المزمل الرجل وإعرابه الرفع قال زهير :
لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر
قال أبو حاتم : كان الوجه القطر بالرفع ولكنه جره على جواز المور، كما قالت العرب: هذا حجر ضب خرب فجروه وإنما هو رفع، وهذا مذهب الأخفش وأبي عبيدة ورد النحاس وقال: وهذا القول غلط عظيم لأن الجوار لا يكون في الكلام أن يقاس عليه وإنما هو غلط ونظيره الإقواء .
قلت: والقاطع في الباب من أن فرض الرجلين الغسل ما قدمناه وما ثبت من "قوله عليه الصلاة والسلام :
ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار " فخوفنا بذكر النار على مخالفة مراد الله عز وجل ومعلوم أن النار لا يعذب بها إلا من ترك الواجب معلوم وأن المسح ليس شأنه الاستيعاب ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بالمسيح ، إذا مدخل لسمح بطونهما عندهم وإنما ذلك يدرك بالغسل لا بالمسح، ودليل آخر من جهة الإجماع وذلك أنهم اتفقوا على أن من غسل قدميه فقد أدى الواجب عليه واختلفوا فيمن مسح قديمه فاليقين ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه ونقل الجمهور كافة عن كافة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثاً حتى ينقيهما وحسبك بهذا حجة في الغسل مع ما بيناه فدق وضح وظهر أن قراءة الخفض المعنى فيها الغسل لا المسح كما ذكرنا، وأن العامل في قوله : وأرجلكم قوله : " فاغسلوا " والعرب قد تعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به أحدهما تقول : أكلت الخبز، أي وشربت اللبن ومنه قول الشاعر:
علفتها تبناً وماء بارداً
وقال الآخر:
ورأيت زوجك في الوغى متلقداً سيفاً ورمحا
وقال الآخر:
وأطفلت بالجهلتين ظباؤها ونعامها
وقال الآخر :
شراب ألبان وتمر وإقط
التقدير : علفتها تبناً وسقيتها ماء ومتقلداً سيفاً وحاملاً رمحاً وأطفلت بالجهلتين ظباؤها وفرخت نعامها والنعام لا يطفل إنما يفرخ وأطفلت كان لها أطفال والجلهتان جنبتا الوادي وشراب البان وآكل تمر فيكون قوله " وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم " عطف بالغسل على المسح حملاً على المعنى والمراد الغسل والله أعلم .
الرابعة عشرة- قوله تعالى :" إلى الكعبين " روى البخاري: حدثين موسى قال أنبأنا وهبت عن عمرو -هو ابن يحيى - عن أبيه قال :
شهدت عمرو بن أبي حسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بتور من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً ثم أدخل يده فغسل يديه إلى المرافقين ثلاثًا ثم أدخل يده فسمح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين، فهذا الحديث دليل على أن الباء في قوله " وامسحوا برؤوسكم " زائدة لقوله : فمسح رأسه لم يقل برأسه، وإن مسح الرأس مرة وقد جاء مبيناً في كتاب مسلم من حديث عبد الله بن زيد في تفسير قوله : فأقبل بها وأدبر وبدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه واختلف العلماء في الكعبين فالجمهور على أنهما العظمان النائتان في جنبي الرجل وأنكر الأصمعي قول الناس : إن الكعب في ظهر القدم قاله في الصحاح ورو عن ابن القاسم، وبه قال محمد بن الحسن قال ابن عطية: ولا أعلم أحداً جعل حد الوضوء إلى هذا، ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإيهام، وقال الشافعي رحمه الله : لم أعلم مخالفاً في أن الكعبين هما العظمان في مجمع مفصل الساق، وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصان بالساق المحاذيان للعقب، وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم .
قلت : هذا هو صحيح لغة وسنة فإن الكعب في كلام العرب مأخوذ من العلو منه سميت الكعبة وكعبت المرأة إذا فلك ثديها كعب الفتاة أنبوبها وأنبوب ما بين كل عقدتين كعب وقد يستعمل في الشرف والمجد تشبيهاً ومنه الحديث "والله لا يزال كعبك عالياً" وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير .
" والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم " قال: فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه وكعبه بكعبه والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب والعرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم ، ومنه الحديث : "ويل للعراقيب من النار " يعني إذا لم تغسل، كما قال : "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار "
الخامسة عشرة - قال ابن وهب عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه من الوضوء ولا في الغسل ولا خير في الجفاء والغلو قال ابن وهب: تخليل أصابع الرجلين مرغب فيه ولا بد من ذلك في أصابع اليدين وقال ابن القاسم عن مالك: من لم يخلل أصابع رجليه فلا شيء عليه وقال محمد بن خال عن ابن القاسم عن مالك فيمن توضأ على نهر فحرك رجله إنه لا يجزئ حتى يغسلها بيديه قال ابن القاسم: وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزأه .
قلت : الصحيح أنه لا يجزئه فيها إلا غسل ما بينهما كسائر الرجل إذ ذلك من الرجل كما أن ما بين أصابع اليد من اليد، ولا اعتبار بانفراج أصابع اليدين وانضمام أصابع الرجلين فإن الإنسان مأمور بغسل الرجل جميعها كما هو مأمور بغسل اليد جميعها وقد "روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجله بخنصره" مع ما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل رجليه، وهذا يقتضي العموم وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بخنصره أو ببعض أصابعه لحديث حدثه به ابن وهب عن ابن لهيعة والليث بن سعد عن يزيد ن عمرو الغفاري عن أبي عبد الرحمن الحلبي "عن المستورد بن شداد القرشي قال :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بخنصره ما بين أصابع رجليه" قال ابن وهب فقال لي مالك: إن هذا لحسن، وما سمعته قط إلا الساعة، قال ابن وهب: وسمعته سئل بعد ذلك عن تخليل الأصابع في الوضوء فأمر به وقد روى حذيفة "أن النبي صلى الله عله وسلم قال :
خلوا بين الأصابع لا تخللها النار " وهذا نص في الوعيد على ترك التخليل فثبت ما قلناه، والله الموفق .
السادسة عشرة- ألفاظ الآية تقتضي المولاة بين الأعضاء وهي إتباع المتوضئ الفعل الفعل إلى آخره من غير تراخ بين أبعاضه ، ولا فصل بفعل ليس منه، واختلف العلماء في ذلك فقال ابن أبي سلمة وابن وهب: ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان فمن فرق بين أعضاء وضوئه متعمداً أو ناسياً لم يجزه. وقال ابن عبد الحكم: يجزئه ناسياً ومتعمداً وقال مالك في المدونة وكتاب محمد: إن المولاة ساقطه، وبه قال الشافعي . وقال مالك وابن القاسم: إن فرقه متعمداً لم يجزئه ويجزئه ناسياً وقال مالك في رواية ابن حبيب: يجزئه في المغسول ولا يجزئه في الممسوح فهذه خمسة أقوال ابتنيت على أصلين: الأول - أن الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقاً فوال أو فرق وإنما المقصود وجود الغسل في جميع الأعضاء عند القيام إلى الصلاة والثاني - أنها عبادات ذات أركان مختلفة فوجب فيها التوالي كالصلاة وهذا أصح والله أعلم .
السابعة عشرة- وتتضمن ألفاظ الآية أيضاً الترتيب وقد اختلف فيه فقال الأبهري : الترتيب سنة وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي يجزئ واختلف في العامد فقيل يجزئ ويرتب في المستقبل وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا يجزئ لأنه عابث وإلى هذا ذهب الشافعي وسائر أصحابه وبه يقول أحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق وأبو ثور وإليه ذهب أبو مصعب صاحب مالك وذكره في مختصره وحكاه عن أهل المدينة ومالك معهم في أن من قدم في الوضوء يديه على وجهه ولم يتوضأ على ترتيب الآية فعليه الإعادة لما صلى بذلك الوضوء وذهب مالك في أكثر الروايات عنه وأشهرا أن الواو لا توجب التعقيب ولا تعطي رتبة وبذلك قال أصحابه وهو قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والليث بن سعد والمزني وداود بن علي، قال الكيا الطبري : ظاهر قوله تعالى :" فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " يقتضي الإجزاء فرق أو جمع أو والي على ما هو الصحيح من مذهب الشافعي وهو مذهب الأكثرين من العلماء قال أبو عمر: إلا أن مالكاً يستحب له استئناف الوضوء على النسق لما يستقبل من الصلاة ولا يرى ذلك واجباً عليه هذا تحصيل مذهبه قد روى علي بن زياد عن مالك قال : من غسل ذراعيه ثم وجهه ثم ذكر مكانه أعاد غسل ذراعية وإن لم يذكر حتى صلى أعاد الوضوء والصلاة قال علي ثم قال بعد ذلك لا يعيد الصلاة ويعيد الوضوء لما يستأنف وسبب الخلاف ما قال بعضهم: إن الفاء توجب التعقيب في قوله : فاغسلوا فإنها لما كانت جوباً للشرط ربطت المشروط به فاقتضت الترتيب في الجميع وأجيب بأنه إنما اقتضت البداءة في الوجه إذ هو جزاء الشرط وجوابه وإنما كانت تقتضي الترتيب في جميع لو كان جواب الشرط معنى واحداً فإذا كانت جملاً لكها جواباً لم تبال بأيها بدأت إذ المطلوب تحصيلها قيل: إن الترتيب إنما جاء من قبل الواو، وليس كذلك لأنك تقول : تقاتل زيد وعمرو وتخاصم بكر وخالد فدخلوها في باب المفاعلة يخرجها عن الترتيب والصحيح أن يقال: إن الترتيب متلقى من وجوه أربعة : الأول أن يبدأ بما بدأ الله به كما "قال عليه الصلاة والسلام حين حج :
نبدأ بما بدأ اله به " الثاني من إجماع السلف فإنهم كانوا يرتبون الثالث - من تشبيه الوضوء بالصلاة الرابع- من مواظبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك احتج من أجاز ذلك بالإجماع على أن لا ترتيب في غسل أعضاء الجنابة فكذلك غسل أعضاء الوضوء لأن المعنى في ذلك الغسل لا التدبية، وروي عن علي أنه قال : ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت وعن عبد الله بن مسعود قال: لا بأس أن تبدأ برجليك قبل يديك قال الدارقطني هذا مرسل ولا يثبت : والأول وجوب الترتيب والله أعلم
الثامنة عشرة - إذا كان في الاشتغال بالوضوء فوات الوقت لم يتيمم عند أكثر العلماء ومالك يجوز التيمم في مثل ذلك لأن التيمم إنما جاء في الأصل لحفظ وقت الصلاة ولولا ذلك لوجب تأخير الصلاة إلى حين وجود الماء احتج الجمهور بقوله تعالى : " فلم تجدوا ماء فتيمموا " وهذا واجد: فقد عدم شرط صحة التيمم فلا يتيمم .
التاسعة عشرة - وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن إزالة النجاسة ليست بواجبة لأنه قال : " إذا قمتم إلى الصلاة " ولم يذكر الاستنجاء وذكر الوضوء فلو كانت إزالتها واجب لكانت أول مبدوء به وهو قول أصحاب أبو حنيفة وهي رواية أشهب عن مالك وقال وابن وهب عن مالك : إزالتها واجبة في الذكر والنسيان وهو قول الشافعي: وقال أبن القاسم : تجب إزالتها مع الذكر، وتسقط مع النسيان ، وقال أبو حنيفة : تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي يريد الكبير الذي هو على هيئة المثقال - قياساً على فم المخرج المعتاد الذي عفي عنه والصحيح رواية ابن وهب "لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في صاحبي القبرين :
إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير : أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله " ولا يعذب إلا على ترك الواجب، ولا حجة في ظاهر القرآن ، لأن الله سبحانه وتعالى إنما بين من آية الوضوء صفة الوضوء خاصة ولم يتعرض لإزالة النجاسة ولا غيرها .
الموفية عشرين - ودلت الآية أيضاً على المسح على الخفين كما بينا ولمالك في ذلك ثلاث روايات : الإنكار مطلقاً كما يقول الخوارج وهذه الرواية منكرة وليست بصحيحة قد تقدم الثانية يمسح في السفر دون الحضر لأن أكثر الأحاديث بالمسح إنما هي في السفر وحديث السباطة يدل على جواز المسح في الحضر أخرجه مسلم من حديث حذيفة قال :
فلقد رأيتني أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نتماشى فأتى سباطة قوم خلف حائط فقام كما يقول أحدكم فبال فانتبذت
استمع الى القرآن الكريم
اتجاه القبلة (اضغط هنا لتكبير الخريطة)
| موقعك | ||||
| خط العرض: | خط الطول: | |||
| موقع القبلة | ||||
| الدرجات: | المسافة: ميل | |||
الرابط:
عربي
English
Francais
Español
Deutsch
Italiano
Portugues
Svenska
Indonesia
Dansk
Norsk
Suomi
Türkçe
فارسی
Ελληνικά
Nederlands
Polski
Русский
日本
中文
